نمو يفوق التقديرات السابقة
أظهرت البيانات النهائية الصادرة عن وزارة التجارة الأميركية أن الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة سجل خلال الربع الأول من العام نمواً سنوياً بلغ 2.1 في المائة، وهو أداء أقوى من التقديرات السابقة التي أشارت إلى 1.6 في المائة. وتُعد هذه القراءة تأكيداً على استمرار قدرة أكبر اقتصاد في العالم على التوسع، رغم الضغوط المرتبطة بتباطؤ الطلب الاستهلاكي وبعض آثار الاضطراب المالي والإداري في نهاية العام الماضي.
وجاءت هذه المراجعة الصعودية بعد أن كان الاقتصاد قد حقق نمواً ضعيفاً للغاية في الربع الأخير من عام 2025، عندما بلغ الارتفاع 0.5 في المائة فقط، متأثراً بالإغلاق الجزئي للحكومة الفيدرالية الذي استمر 43 يوماً. ويعكس التحسن في بداية العام الجديد عودة بعض عناصر النشاط الاقتصادي إلى مسار أكثر توازناً، خصوصاً على مستوى استثمارات القطاع الخاص.
الذكاء الاصطناعي يواصل دفع الاستثمار
كان أبرز محركات النمو خلال الربع الأول هو ارتفاع استثمارات الشركات، في وقت واصل فيه الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي لعب دور محوري في قرارات التوسع الرأسمالي. وتشير هذه المؤشرات إلى أن موجة الاستثمار في القطاع لم تعد مقتصرة على الشركات التقنية الكبرى، بل باتت تمتد إلى قطاعات مرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، والرقائق، ومراكز البيانات، والحوسبة المتقدمة.
هذا الزخم يوضح أن الذكاء الاصطناعي تحول إلى عامل اقتصادي مباشر، لا يقتصر أثره على الابتكار أو تحسين الإنتاجية، بل أصبح يؤثر في توزيع رأس المال داخل السوق الأميركية. كما يعزز ذلك التوقعات بأن الطلب على المعدات والشرائح والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي سيبقى داعماً للنشاط الاستثماري في الأشهر المقبلة.
وفي هذا السياق، قدمت نتائج بعض شركات أشباه الموصلات إشارة إضافية إلى متانة الطلب في هذا المجال، إذ قادت نتائج قوية لإحدى الشركات الكبرى في القطاع موجة صعود لأسهم التكنولوجيا، في وقت لا تزال فيه الأسواق تراقب ما إذا كانت الأرباح ستواكب الارتفاعات الكبيرة في التقييمات.
إنفاق المستهلكين يفقد بعض الزخم
على الجانب الآخر، أظهرت البيانات أن إنفاق المستهلك الأميركي تباطأ مقارنة بالربع الأخير من عام 2025، كما جاء أضعف من التقديرات السابقة للوزارة. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن الاستهلاك يمثل المحرك الأكبر للنمو في الولايات المتحدة، ما يعني أن تباطؤه قد يحد من وتيرة التوسع في الفصول المقبلة إذا استمر لفترة أطول.
ورغم هذا التراجع، فإن الاقتصاد الأميركي حافظ على قدر من الصمود بفضل قوة سوق العمل وتماسك الإنفاق الاستثماري. وتظهر قراءة سوق التوظيف أن أصحاب العمل أضافوا في المتوسط 188 ألف وظيفة شهرياً خلال الفترة من مارس إلى مايو، مقارنة بأقل من 10 آلاف وظيفة شهرياً خلال عام 2025، عندما أثرت حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية والهجرة على قرارات التوظيف.
وتشير هذه الأرقام إلى أن سوق العمل لا تزال قادرة على دعم النشاط الاقتصادي، حتى مع بعض الحذر لدى الأسر في الإنفاق. كما أن تحسن التوظيف يمنح الاقتصاد قاعدة أكثر استقراراً، لكنه لا يلغي الحاجة إلى متابعة اتجاهات الاستهلاك والأسعار خلال الفصول التالية.
الأسواق تتفاعل مع بيانات النمو والتضخم
تزامن صدور بيانات النمو مع تحركات متباينة في الأسواق المالية الأميركية. فقد شهدت الأسهم تذبذباً خلال التداولات، مع دعم واضح لأسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، مقابل ضغوط على بعض الأسماء الكبرى في قطاع التكنولوجيا الاستهلاكية. وتراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بشكل طفيف بعد أن محا مكاسبه المبكرة، بينما حقق مؤشر داو جونز ارتفاعاً محدوداً، في حين هبط ناسداك مع استمرار الحساسية تجاه أسهم النمو المرتفعة التقييم.
وساهمت نتائج الشركات في تعزيز هذا التباين، إذ ارتفعت أسهم بعض الشركات المصنعة للرقائق بعد إعلان نتائج مالية وإرشادات مستقبلية أفضل من توقعات السوق. في المقابل، تعرضت أسهم شركة أبل لضغوط بعد تقارير تحدثت عن رفع أسعار عدد من منتجاتها، بينها أجهزة ماك، في ظل ارتفاع تكاليف المكونات.
وتلقت السوق دعماً إضافياً من تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية، بعد بيانات التضخم التي جاءت متوافقة مع التوقعات. وانخفض العائد على السندات لأجل عشر سنوات إلى 4.36 في المائة من 4.41 في المائة، ما خفف قليلاً من الضغوط على الأسهم ذات التقييمات المرتفعة.
النفط والتضخم يخففان بعض الضغوط
كما ساعد انخفاض أسعار النفط على تهدئة المخاوف التضخمية في الأسواق. فقد تراجع خام برنت إلى 73.81 دولار للبرميل، مقترباً من مستويات ما قبل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة. وجاء هذا التراجع بعد أن كانت الأسعار قد قفزت إلى مستويات أعلى بكثير خلال فترات سابقة من الاضطراب، ما أعاد بعض الهدوء إلى توقعات التضخم العالمي وأسعار الوقود.
وأظهرت بيانات التضخم ارتفاع المؤشر إلى 4.1 في المائة خلال مايو، مقارنة بـ3.8 في المائة في أبريل، إلا أن القراءة جاءت متوافقة مع توقعات السوق، وهو ما خفف من المخاوف بشأن تسارع غير متوقع في الأسعار. وفي مثل هذا السياق، تصبح عوائد السندات وحركة الطاقة عاملين حاسمين في تحديد اتجاهات المخاطرة لدى المستثمرين.
الانعكاسات العالمية لصلابة الاقتصاد الأميركي
لم تقتصر تداعيات البيانات الأميركية على السوق المحلية، بل امتدت إلى مؤشرات عالمية، حيث استفادت أسواق آسيوية وأوروبية من موجة التفاؤل المرتبطة بقطاع التكنولوجيا. وقفز مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بدعم من شركات أشباه الموصلات، وسجل مؤشر نيكي الياباني مكاسب قوية، كما ارتفع فوتسي 100 البريطاني، بينما تراجع هانغ سنغ في هونغ كونغ.
وتعكس هذه التحركات كيف بات الاقتصاد الأميركي، وخصوصاً عبر قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مؤثراً في المزاج الاستثماري العالمي. فحين تظهر البيانات أن النمو لا يزال أقوى من المتوقع، تتعزز شهية المخاطرة في أسواق الأسهم، خاصة لدى الشركات المرتبطة بالبنية الرقمية والصناعات المتقدمة.
نظرة إلى الربع الثاني
تمثل القراءة الصادرة الآن التقدير الثالث والأخير لنمو الاقتصاد الأميركي في الربع الأول، ما يعني أن التركيز سيتحول سريعاً إلى بيانات الربع الثاني المنتظر صدورها في 30 يوليو. وسيكون لمدى استمرار الإنفاق الاستثماري، وسرعة تعافي الاستهلاك، واتجاهات التضخم، دور رئيسي في رسم صورة أوضح لمسار الاقتصاد خلال النصف الثاني من العام.
وبالنسبة للمستثمرين وصناع القرار، فإن المعادلة الحالية تبدو قائمة على توازن حساس: استثمارات قوية تدعمها تقنيات الذكاء الاصطناعي وسوق عمل متماسكة، مقابل استهلاك أكثر تحفظاً وأسواق مالية تراقب عن قرب مستويات التقييم والربحية. ومع ذلك، فإن قراءة الربع الأول تقدم دليلاً جديداً على أن الاقتصاد الأميركي لا يزال قادراً على النمو بمعدل يفوق التوقعات رغم الضغوط المتعددة.