يتجدد الجدل في الأسواق العالمية حول ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يتعامل بحذر مفرط مع فقاعات الأصول، في وقت تتسارع فيه رهانات المستثمرين على أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وتطرح هذه الموجة سؤالاً قديماً بصياغة جديدة: هل يكفي أن يراقب البنك المركزي الاختلالات ثم يتدخل بعد الانفجار، أم أن عليه محاولة احتوائها قبل أن تتحول إلى أزمة اقتصادية ومالية أوسع؟
التحليل الذي أعاد فتح هذا الملف يشير إلى أن النهج التقليدي داخل الفيدرالي يميل إلى عدم محاولة تحديد الفقاعة في وقت مبكر، بسبب صعوبة التمييز بين الارتفاع المدفوع بأساسيات اقتصادية حقيقية وبين التضخم المصطنع في الأسعار. لكن هذه المقاربة، رغم وجاهتها النظرية، ترتبط تاريخياً بتجارب مؤلمة كلفت الاقتصاد العالمي كثيراً عندما انفجرت موجات المضاربة في الأسواق.
إرث حذر لا يخلو من كلفة
النهج الذي اشتهر به آلان غرينسبان، رئيس الفيدرالي الأميركي الأسبق، يقوم على فكرة أن البنك المركزي لا ينبغي أن يحاول كبح الفقاعات مسبقاً، بل أن يركز على مهمتيه الأساسيتين: استقرار الأسعار والتوظيف. وفق هذا المنطق، أي محاولة لاستباق السوق قد تؤدي إلى ضرر اقتصادي غير ضروري أو تشوهات في الاستثمار.
غير أن تجربة العقود الماضية جعلت هذا المنطق موضع مساءلة. فقد شهدت الولايات المتحدة في عهده فقاعة شركات الإنترنت في أواخر التسعينيات، ثم فقاعة الائتمان والعقار التي انفجرت في 2007 و2008، وهي أزمة تركت آثاراً عميقة على التمويل العالمي والنمو والديون العامة والخاصة لسنوات طويلة.
ويؤكد منتقدو هذا النهج أن ترك الأسواق ترتفع دون تدخل قد يمنح الاقتصاد فترة من الحيوية المؤقتة، لكنه يراكم اختلالات كبيرة في الخلفية. وعندما تأتي لحظة التصحيح، تكون الكلفة أعلى بكثير من كلفة التدخل المبكر، حتى لو كان التدخل نفسه غير مضمون النجاح.
الذكاء الاصطناعي يعيد اختبار حدود السياسة النقدية
اليوم، تتجه الأنظار إلى طفرة الذكاء الاصطناعي التي رفعت أسهم شركات الرقائق والتكنولوجيا إلى مستويات لافتة. وتشير المعطيات المتداولة في السوق إلى أن مؤشرات مرتبطة بصناعة أشباه الموصلات تضاعفت خلال العام الحالي، وارتفعت بنحو خمسة أضعاف خلال السنوات الأربع الماضية، ما يعكس حجم الرهان على استمرار النمو في هذا القطاع.
لكن هذا الصعود السريع لا يبدد القلق بالكامل. فهناك من يرى أن جزءاً من الارتفاع يعكس استثمارات حقيقية في البنية التحتية الرقمية والحوسبة المتقدمة، بينما يرى آخرون أن التقييمات باتت متقدمة على الأساسيات، وأن الأسواق تسعر سيناريوهات متفائلة للغاية بشأن العوائد المستقبلية.
وتكمن المشكلة بالنسبة للفيدرالي في أن الطفرة الحالية لا تخص قطاعاً تقليدياً فحسب، بل ترتبط أيضاً ببنية الاقتصاد الرقمي الأوسع: الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات، وتوسع الطلب على الشرائح المتقدمة، وتحول الشركات إلى الأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وتدفق السيولة نحو الأصول ذات الصلة. وإذا تحولت هذه الديناميكية إلى فقاعة، فإن أثرها قد لا يقتصر على البورصة، بل يمتد إلى الاستثمار والاستهلاك والثقة والتمويل.
الأسواق ليست بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي
أحد أبرز الأسئلة المطروحة هو ما إذا كانت مكاسب الأسهم التكنولوجية تبقى داخل وول ستريت، أم أنها تنتقل إلى قطاعات أخرى عبر الأثر الثرواتي. فحين ترتفع القيمة السوقية للمحافظ الاستثمارية، يميل بعض المستثمرين إلى زيادة الإنفاق أو إعادة توجيه المكاسب إلى أصول أخرى، مثل العقارات أو الشركات الناشئة أو أدوات الدين الخاصة.
وهنا يظهر البعد الاقتصادي الرقمي بوضوح: ارتفاعات السوق التي تبدو مجرد تحرك مالي قد تتحول إلى سلوك استثماري واستهلاكي أوسع، يؤثر في الطلب الكلي وفي تسعير الأصول داخل الاقتصاد. وهذا ما يفسر المخاوف من أن تجاهل الفقاعات لا يعني فقط ترك السوق لآلياته، بل قد يعني أيضاً السماح بتغذية دوائر جديدة من التضخم في الأصول وربما في قطاعات أخرى.
ويستشهد التحليل بتجربة في أسواق آسيوية حيث ارتبطت مكاسب الأسهم المرتبطة بالرقائق بانتعاش في الأسواق العقارية المحلية. هذه الصورة تعزز فكرة أن الثروة الورقية في عصر الاقتصاد الرقمي لا تبقى نظرية، بل تنتقل عبر قنوات متعددة إلى سلوك الأسر والشركات.
ماذا يعني ذلك للفيدرالي؟
الرهان القائم حالياً في الأسواق هو أن الفيدرالي قد لا يغامر بالتصادم مع موجة التكنولوجيا ما دامت تقدم قصة نمو حقيقية. لكن هذا لا يلغي احتمال أن يتعامل البنك المركزي بقدر أكبر من التشدد إذا رأى أن الضغوط السعرية والاختلالات المالية بدأت تتغذى من موجة الأصول نفسها.
وتشير القراءة الحالية إلى أن ارتفاع التضخم فوق المستهدف يمنح صانعي السياسة النقدية مجالاً أوسع للتحرك. فإذا كانت الأسواق تسعر بالفعل احتمال مزيد من الرفع أو التشديد في وقت لاحق من العام، فقد يكون ذلك محاولة لتهدئة الاندفاع في الأسهم والأصول المالية، حتى لو لم يكن الهدف المعلن هو كبح فقاعات بعينها.
لكن المسألة أعقد من مجرد رفع الفائدة. فالتشدد النقدي في بيئة تعتمد فيها القيمة السوقية للشركات على توقعات نمو طويلة الأجل وتمويل كثيف للبنية التحتية الرقمية قد يخلق مفاضلة دقيقة بين دعم الابتكار من جهة، ومنع المبالغة في التسعير من جهة أخرى.
مخاطر مقاربة المراقبة فقط
المشكلة الأساسية في فلسفة "انتظر ثم أصلح" أنها تعمل جيداً فقط إذا كانت الأضرار بعد الانفجار قابلة للاحتواء سريعاً. لكن التجربة تقول إن بعض الفقاعات تترك وراءها آثاراً متراكمة: ديوناً أعلى، استثمارات مشوهة، تباطؤاً طويل الأمد، وأحياناً اهتزازات سياسية واجتماعية تتجاوز المجال المالي.
لذلك، فإن ترك الأسواق ترتفع من دون محاولة قراءة تداعياتها الأوسع قد لا يكون محايداً كما يبدو. وفي زمن الاقتصاد الرقمي، حيث تنتقل الثروة بسرعة عبر المنصات والأسهم والرموز المالية وسلاسل التوريد التقنية، يصبح تجاهل هذه المؤشرات أكثر خطورة.
في المحصلة، لا يبدو أن الجدل حول الفقاعات سيختفي قريباً. فبين من يرى أن السوق يحتاج إلى مساحة كاملة ليصحح نفسه، ومن يعتقد أن الصمت النقدي قد يكون مقدمة لأزمة جديدة، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان صعود الذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً استثمارياً حقيقياً أم موجة سعرية تحتاج إلى مراقبة أشد قبل أن تتضخم أكثر.