صندوق النقد يضغط نحو سياسة أكثر صرامة
دعا صندوق النقد الدولي السلطات في كازاخستان إلى تبني مزيج واضح من الانضباط المالي والتشدد النقدي، في محاولة لخفض التضخم وإعادته تدريجياً إلى المستوى المستهدف البالغ 5 في المائة. ويرى الصندوق أن التحكم في السيولة الفائضة وتقليص الإنفاق العام يمثلان عنصرين أساسيين لحماية الاقتصاد الكازاخستاني من ضغوط الأسعار، من دون تعطيل الزخم الذي ما زال يدعم النمو.
وتأتي هذه التوصيات في وقت تستفيد فيه كازاخستان من ارتفاع أسعار النفط العالمية ومن قوة الطلب المحلي، وهو ما يدعم توقعات بأن يسجل الاقتصاد نمواً قدره 4.6 في المائة خلال عام 2026. لكن الصندوق شدد على أن استمرار هذا الأداء يتطلب إدارة دقيقة للسياسات الاقتصادية، خصوصاً مع بقاء التضخم أعلى بكثير من المستوى المرغوب.
تباطؤ مؤقت في النمو بسبب اضطراب إنتاج النفط
أوضح بيان بعثة الصندوق، الذي صدر عقب زيارة إلى أستانا بين 3 و12 يونيو برئاسة أمينة لاريش، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تباطأ مؤقتاً خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام ليسجل 3.7 في المائة، مقارنة بنحو 6.5 في المائة بنهاية 2025. ويرتبط هذا التراجع بانخفاض إنتاج النفط بعد حادثة القوة القاهرة التي أصابت خطوط أنابيب كونسورتيوم بحر قزوين، المعروفة اختصاراً بـCPC.
ورغم هذا التعثر في قطاع الطاقة، أشار الصندوق إلى أن قطاعات الخدمات والنقل والتشييد والصناعات التحويلية ساعدت على امتصاص جانب كبير من أثر الصدمة. وهذا التوازن بين ضعف النفط وقوة القطاعات غير النفطية يعكس قدراً من المرونة في الاقتصاد، لكنه لا يلغي الحاجة إلى إصلاحات أعمق لتقليل الاعتماد على تقلبات قطاع الطاقة.
التضخم ما زال مرتفعاً رغم التراجع الأخير
على صعيد الأسعار، ربط الصندوق بين استمرار التشدد في السياسة النقدية وبين الحاجة إلى كبح التضخم، الذي هبط من ذروته البالغة 12.9 في المائة في سبتمبر 2025 إلى 10.4 في المائة في مايو الماضي. هذا التراجع شجع البنك المركزي الكازاخستاني على خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في يونيو، إلا أن الصندوق يرى أن الطريق ما زال طويلاً قبل الوصول إلى استقرار سعري مستدام.
وتوقع الصندوق أن يدور التضخم حول 10 في المائة خلال العام الحالي، محذراً من عوامل قد تعيد الضغط على الأسعار، من بينها تسارع الإنفاق الرأسمالي واستمرار إعادة تسعير بعض الخدمات العامة في النصف الثاني من السنة. كما رحب بالإجراءات المعلنة لسحب السيولة الزائدة من السوق، مثل رفع متطلبات الاحتياطي الإلزامي وزيادة إصدارات أدوات الدين الخاصة بالبنك المركزي.
إصلاحات ضريبية تدعم الموازنة والحساب الجاري
في الجانب المالي، يرى الصندوق أن كازاخستان قد تشهد تحسناً في أوضاعها الخارجية والمالية بفضل حزمة الإصلاحات الضريبية الجديدة. ومن المتوقع أن يتراجع العجز المالي غير النفطي في 2026 مع بدء تطبيق القوانين الضريبية المحدثة وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين إدارة الموارد العامة عبر الرقمنة.
كما رجحت التقديرات أن ينتقل الحساب الجاري من عجز يعادل 4.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى فائض طفيف خلال العام الحالي. ويستند هذا التحول إلى مزيج من ارتفاع الصادرات ومن تحسن تدفقات العملات الأجنبية، في وقت تحتفظ فيه البلاد باحتياطيات دولية مريحة تغطي نحو 10 أشهر من الواردات السلعية، وهو مستوى يوفر هامش أمان جيداً أمام الصدمات الخارجية.
القطاع المصرفي يبقى مستقراً
أشاد التقرير بمتانة النظام المصرفي الكازاخستاني، مشيراً إلى أن المعايير الاحترازية المشددة ومصدات رأس المال ساعدت على الحد من نمو القروض الاستهلاكية بوتيرة مفرطة. كما لفت إلى أن القروض المتعثرة ما زالت عند مستويات منخفضة نسبياً، ما يعكس قدراً من الانضباط في ميزانيات البنوك.
وفي سياق الإصلاح المؤسسي، أشار الصندوق إلى إقرار قانون بنكي جديد أعاد تنظيم آليات التسوية ومعالجة الأزمات المحتملة في القطاع المالي. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تطوراً مهماً في بناء شبكة أمان مصرفية أكثر صلابة، خصوصاً في بيئة اقتصادية تتسم بتقلبات أسعار الطاقة وتغيرات السياسة النقدية العالمية.
التنغي الرقمي كأداة لتعزيز الشفافية
من أبرز النقاط التي توقف عندها الصندوق دعمه لتوسيع استخدام العملة الرقمية الوطنية، المعروفة باسم التنغي الرقمي. ويتيح هذا النظام تتبع الإنفاق الحكومي وموارد الصندوق الوطني بشكل لحظي، ما يرفع مستوى الشفافية ويعزز كفاءة إدارة المالية العامة.
وبحسب الصندوق، فإن هذه الأداة الرقمية لا تقتصر على تحديث البنية المالية للدولة، بل تسهم أيضاً في حماية الاقتصاد من بعض آثار التضخم عبر تحسين الرقابة على تدفقات الأموال وتقليل الهدر، وهو ما يجعلها جزءاً من التحول الأوسع نحو إدارة أكثر حداثة للموارد العامة.
إصلاحات هيكلية أوسع لتعزيز الإنتاجية
إلى جانب السياسات المالية والنقدية، دعا صندوق النقد إلى مواصلة الإصلاحات الهيكلية التي تستهدف رفع الإنتاجية على المدى المتوسط. وتشمل هذه الإصلاحات تقليص الدور المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي، وتوسيع مساحة القطاع الخاص، وتنشيط الاستثمار، وتعميق أسواق المال المحلية.
وترى البعثة أن هذه الخطوات ستكون حاسمة إذا أرادت كازاخستان الحفاظ على الاستقرار الكلي وتحويل المكاسب الحالية إلى نمو أكثر تنوعاً واستدامة. فبينما يوفر النفط دعماً مهماً للأداء العام، يبقى التحدي الحقيقي في بناء اقتصاد أقل تعرضاً للصدمات وأكثر قدرة على توليد الوظائف والاستثمار طويل الأجل.
وفي المحصلة، يعكس موقف صندوق النقد مقاربة تجمع بين الدعم الحذر والضغط الإصلاحي: دعم لمسار النمو الحالي، لكن مع تشديد واضح على أن احتواء التضخم لا يمكن أن يتحقق من دون انضباط مالي أكبر واستمرار السياسة النقدية المتشددة.