صفقة طاقة كبرى تعزز حضور فرنسا في السوق العُمانية
أعلنت فرنسا وعُمان عن اتفاق استثماري واسع النطاق تتصدره مجموعة «كهرباء فرنسا» (EDF)، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الدولي بقطاع الطاقة في السلطنة ومشروعاتها المرتبطة بالتحول نحو مصادر أقل انبعاثاً وأكثر كفاءة في إدارة الموارد. وتبلغ قيمة العقد الأساسي نحو 4 مليارات دولار، وهو مخصص لتطوير وتشغيل أول محطة لضخ وتخزين الطاقة الكهرومائية في تاريخ عُمان.
وجاء الإعلان بالتوازي مع زيارة الدولة التي أجراها سلطان عُمان هيثم بن طارق إلى باريس، حيث شهدت الزيارة توقيع مجموعة من التفاهمات والشراكات الاقتصادية التي تمتد إلى الطاقة والمياه والخدمات اللوجستية، بما يعكس رغبة البلدين في تحويل العلاقات السياسية إلى مشاريع ملموسة ذات أثر اقتصادي طويل الأجل.
ويعزز هذا التطور موقع عُمان بوصفها سوقاً ناشئة قادرة على جذب رؤوس الأموال والخبرات الدولية في مشروعات البنية التحتية الحيوية، ولا سيما تلك المرتبطة بأمن الطاقة وإدارة الطلب المتزايد على الكهرباء.
مشروع تخزين يرفع مرونة الشبكة الكهربائية
ينص الاتفاق على أن تتولى EDF تطوير المحطة المائية عند سد «وادي ضيقة»، الذي يقع على بعد نحو 90 كيلومتراً جنوب مسقط. ويعد المشروع من أبرز المشروعات الاستراتيجية التي تعتزم السلطنة تنفيذها في قطاع الطاقة، إذ سيمكنها من تخزين ما يصل إلى 2 غيغاواط من الكهرباء، وهو مستوى يمنح الشبكة قدرة أكبر على التعامل مع تقلبات الطلب وتوسيع دمج مصادر الطاقة المتجددة.
وتكتسب مشروعات الضخ والتخزين أهمية متزايدة في الأسواق التي تتجه إلى خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، لأنها توفر وسيلة عملية لتخزين الطاقة الفائضة وإعادة ضخها لاحقاً عند الحاجة. وفي حالة عُمان، ينسجم المشروع مع توجهات أوسع لتحديث منظومة الكهرباء وتحسين كفاءة البنية التحتية للطاقة على المدى الطويل.
كما يشير حجم العقد إلى أن السوق العُمانية باتت قادرة على استقطاب شركات عالمية كبرى للدخول في مشروعات نوعية تتطلب تمويلاً كبيراً وخبرة فنية متقدمة، وهو ما يمنح القطاع المحلي دفعة إضافية في مجالات التشغيل والتخطيط والتمويل.
عقد إضافي للطاقة الشمسية بقيمة 250 مليون دولار
ولم يقتصر التعاون بين الجانبين على مشروع التخزين المائي. فقد أعلنت الرئاسة الفرنسية أيضاً عن فوز EDF بعقد آخر لإنشاء محطة للطاقة الشمسية في عُمان بقدرة 500 ميغاواط، وباستثمار يصل إلى 250 مليون دولار. ويعكس هذا العقد توجهاً واضحاً لدى السلطنة نحو تنويع مزيج الطاقة، وزيادة الاعتماد على مصادر الشمس باعتبارها أحد أهم الموارد الطبيعية المتاحة في البلاد.
وتمثل المحطة الشمسية الجديدة إضافة مهمة إلى مسار التحول الكهربائي في عُمان، لأنها تدعم إنتاج طاقة منخفضة الكلفة نسبياً على المدى البعيد، وتساعد في تقليل الضغط على محطات التوليد التقليدية خلال فترات الذروة. كما تمنح المستثمرين الدوليين إشارة واضحة إلى أن السلطنة تبني بيئة أعمال أكثر انفتاحاً على مشروعات الطاقة النظيفة.
ويأتي هذا التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة في وقت تتزايد فيه المنافسة الإقليمية على جذب شركات التطوير والتشغيل في مجالات الكهرباء والمياه، مع توجه عدد من دول الخليج إلى الاستثمار بكثافة في البنية التحتية الخضراء.
حزمة تعاون أوسع بين باريس ومسقط
الصفقات المرتبطة بـEDF ليست سوى جزء من حزمة أوسع تضم 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان نوايا بين البلدين. وتشمل هذه الحزمة قطاعات متعددة مثل الاقتصاد والفضاء والنقل والصحة والثقافة، ما يعكس رغبة متبادلة في بناء شراكة أعمق تتجاوز القطاع الطاقي التقليدي.
وتسعى مسقط من خلال هذه التفاهمات إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن كونها خارج المعادلات الأمنية الأكثر حساسية في المنطقة، ولا سيما قربها من مضيق هرمز. ويمنح هذا العامل عُمان ميزة تنافسية في استقطاب الشركات التي تبحث عن بيئة تشغيل مستقرة وقابلة للتوسع.
ومن منظور الأعمال، تشير هذه الاتفاقيات إلى أن السلطنة لا تكتفي بجذب الاستثمارات الرأسمالية، بل تحاول أيضاً استقطاب المعرفة التقنية والشراكات التشغيلية طويلة المدى، وهو نموذج بات أكثر انتشاراً في اقتصادات المنطقة التي تسعى إلى تنويع مصادر النمو.
سويز تدخل على خط المياه والصرف الصحي
ضمن موجة الاتفاقات نفسها، حققت مجموعة «سويز» الفرنسية المتخصصة في إدارة المياه والنفايات إنجازاً لافتاً بحصولها على عقد يمتد 15 عاماً لتشغيل وصيانة خدمات المياه والصرف الصحي في عُمان. وتبلغ قيمة العقد نحو ملياري يورو، أي ما يعادل حوالي 2.28 مليار دولار، ليصبح أكبر عقد تبرمه المجموعة في الشرق الأوسط حتى الآن.
ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره مؤشراً على اتساع نطاق الإصلاحات والتحديث في قطاع المرافق العامة العُماني، خاصة في مجالات إدارة المياه ومعالجة الصرف الصحي، وهي ملفات تزداد أهميتها في اقتصادات تواجه ضغوطاً مائية ومناخية متنامية. كما ينسجم العقد مع التوجه العالمي نحو إشراك شركات متخصصة في تشغيل الخدمات العامة وفق عقود طويلة الأجل تضمن الكفاءة والاستدامة.
وبالنسبة إلى الشركات الفرنسية، فإن التقدم في السوق العُمانية يمثل فرصة لتعزيز حضورها في منطقة الخليج عبر عقود تجمع بين الاستثمار والتشغيل والخبرة التقنية، وهي صيغة تحقق للشركات عوائد مستقرة وتمنح الحكومات قدرة أكبر على تنفيذ المشروعات الكبرى.
الرسالة الاقتصادية من الاتفاقات الجديدة
تكشف هذه الحزمة من العقود أن عُمان تتحرك بوضوح نحو بناء اقتصاد أكثر تنوعاً يعتمد على الشراكات الدولية في الطاقة والمياه والبنية التحتية. كما تعكس قدرة السلطنة على جذب شركات من الصف الأول في أوروبا، وهو ما قد يفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات في مشروعات التخزين الكهربائي والطاقة الشمسية وإدارة المرافق.
أما بالنسبة لفرنسا، فتمثل هذه الاتفاقات مكسباً استراتيجياً لشركاتها الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، في وقت تتنافس فيه العواصم الأوروبية والآسيوية على مواقع في أسواق الطاقة المتجددة والخدمات البلدية. ومن شأن هذه الصفقات أن تعزز الحضور الصناعي والمالي الفرنسي في أسواق الخليج، مع ما يصاحب ذلك من فرص في التمويل والهندسة والتشغيل والخدمات طويلة الأجل.
وفي المحصلة، تعكس الاتفاقات الفرنسية العُمانية الجديدة ملامح مرحلة اقتصادية مختلفة، عنوانها توسيع الشراكات وتطوير البنية التحتية ورفع كفاءة الطاقة وإدارة الموارد، بما يدعم أهداف النمو المستدام ويمنح المستثمرين الدوليين مساحة أكبر للتحرك في واحدة من أكثر الأسواق الخليجية طموحاً في السنوات الأخيرة.