06-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الذهب يقفز فوق 4 آلاف دولار مع تباطؤ الوظائف الأميركية وتراجع عوائد السندات

ارتفع الذهب بأكثر من 2% ليعود فوق مستوى 4 آلاف دولار للأوقية، مدعوماً ببيانات وظائف أميركية أضعف من المتوقع وتراجع عوائد السندات، بينما يترقب المستثمرون تقرير الوظائف الرسمي وموقف الاحتياطي الفيدرالي من الفائدة.

الذهب يستعيد زخمه فوق مستوى 4 آلاف دولار

سجلت أسعار الذهب قفزة قوية خلال تعاملات الأربعاء، إذ تجاوز المعدن النفيس مجدداً حاجز 4 آلاف دولار للأوقية بعد سلسلة من الضغوط البيعية في الجلسات السابقة. وجاءت هذه الحركة مدفوعة بمزيج من البيانات الاقتصادية الأميركية الأضعف من المتوقع، وتراجع العوائد على السندات، إلى جانب إشارات من مجلس الاحتياطي الفيدرالي عززت قناعة المستثمرين بأن مسار التضخم بدأ يفقد بعض زخمه.

وارتفع الذهب في السوق الفورية بنحو 2.1 في المائة ليصل إلى 4089.49 دولار للأوقية، بينما صعدت العقود الأميركية الآجلة تسليم أغسطس بنسبة 1.6 في المائة لتغلق عند 4103.10 دولار. وتمثل هذه المكاسب انعطافة حادة بعد هبوط المعدن إلى أدنى مستوياته منذ نوفمبر الماضي في الجلسة السابقة، قبل أن يعود إلى التداول فوق مستوى نفسي مهم للأسواق.

ويعكس هذا الارتداد حساسية الذهب الشديدة تجاه البيانات الأميركية والتوقعات المرتبطة بأسعار الفائدة. فكلما ضعفت مؤشرات النمو أو تراجعت احتمالات تشديد السياسة النقدية، اكتسب الذهب دعماً إضافياً بوصفه أصلاً لا يدر عائداً لكنه يستفيد من هبوط تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به.

بيانات التوظيف تعيد حسابات الأسواق

أحد أبرز المحركات وراء الصعود الأخير كان تقرير شركة «إيه دي بي» للوظائف في القطاع الخاص، الذي أظهر إضافة 98 ألف وظيفة فقط خلال يونيو، مقارنة بـ122 ألف وظيفة في مايو، وأقل من توقعات السوق التي كانت تراهن على نمو أقوى. هذا التباطؤ أرسل إشارة جديدة إلى أن سوق العمل الأميركية بدأت تفقد بعض الزخم، وهو ما خفف الضغوط على السندات وأعطى الذهب مساحة للتحرك صعوداً.

ولم يقتصر الأمر على أرقام التوظيف. فقد أشار التقرير إلى تفاوت واضح بين القطاعات، حيث تحركت بعض الأنشطة مثل الخدمات المالية والمعلومات في اتجاه إيجابي، بينما ظل التوظيف ضعيفاً في الترفيه والضيافة للشهر السادس على التوالي. كما سجلت قطاعات التعليم والخدمات الصحية أكبر زيادة، في حين بقيت بعض الأنشطة الأخرى تحت الضغط.

وتترقب الأسواق الآن تقرير الوظائف غير الزراعية الرسمي، بوصفه المؤشر الأهم على متانة سوق العمل واتجاه الاقتصاد الأميركي في المدى القريب. وأي مفاجأة سلبية إضافية قد تعزز الرهانات على أن دورة التشديد النقدي تقترب من التوقف أو تصبح أقل حدة، وهو ما يصب عادة في مصلحة الذهب.

تصريحات الفيدرالي تضغط على العوائد

إلى جانب بيانات التوظيف، لعبت تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفين وارش، دوراً مؤثراً في إعادة تسعير الأصول المالية. فقد أشار إلى أن مخاطر التضخم وتوقعاته تراجعت خلال الأسابيع الأخيرة، مع تأكيده في الوقت نفسه التزام البنك المركزي بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة.

هذه الإشارات ساعدت على تهدئة موجة الصعود في عوائد السندات الأميركية، والتي كانت قد ارتفعت في وقت مبكر من الجلسة قبل أن تتراجع مع صدور البيانات الأضعف. وبالنسبة للمستثمرين، فإن هبوط العوائد يعني أن الاحتفاظ بالذهب يصبح أكثر جاذبية نسبياً، لأن العوائد المنخفضة تقلل المنافسة بين الأصول التي تدر دخلاً وتلك التي تُستخدم للتحوط.

وتعكس التسعيرات الحالية في أسواق العقود الآجلة أن المتعاملين ما زالوا يرون احتمالاً مرتفعاً لرفع الفائدة في اجتماع سبتمبر المقبل، إلا أن هذه الرهانات ليست ثابتة. فالمعطيات الاقتصادية المتلاحقة، خصوصاً إذا جاءت القراءة الرسمية للوظائف أقل من المتوقع، قد تدفع إلى مراجعة جديدة في تقديرات السياسة النقدية.

عوائد السندات تشير إلى قلق اقتصادي متزايد

على صعيد سوق الدين، أنهت سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات الجلسة على ارتفاع محدود في العائد إلى 4.465 في المائة، بعد أن لامست في وقت سابق 4.501 في المائة، وهو أعلى مستوى لها منذ أواخر يونيو. كما ارتفع العائد على السندات لأجل 30 عاماً، في حين استقر العائد على السندات لأجل عامين عند مستويات قريبة من ذروات أسبوعية.

وتُظهر هذه التحركات أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون مع مشهد اقتصادي غير محسوم: نمو يهدأ تدريجياً، وتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، وسوق عمل تفقد بعض القوة دون أن تنهار بالكامل. وفي مثل هذا السياق، تصبح الأصول الدفاعية أكثر جاذبية، ويستفيد الذهب عادة من هذه البيئة المتقلبة.

كما أن انحسار توقعات التضخم، إلى جانب التراجع في بعض المؤشرات المرتبطة بالأسعار، ساهم في تعزيز الرهانات على أن الفيدرالي لن يبالغ في التشديد إذا استمرت البيانات في الإشارة إلى تباطؤ ملموس. وهذا التوازن الدقيق بين تهدئة التضخم والحفاظ على النمو بات العامل الأكثر تأثيراً في توجهات المستثمرين.

المعادن النفيسة الأخرى تلحق بالموجة الصاعدة

لم يقتصر التحسن على الذهب، إذ امتدت الموجة الإيجابية إلى بقية المعادن النفيسة. فقد قفزت الفضة بنسبة 2.8 في المائة لتصل إلى 60.24 دولار للأوقية، وهو مستوى يعكس اهتماماً متزايداً بالأصول المرتبطة بالملاذات الآمنة والمواد الصناعية في الوقت نفسه.

كما ارتفع البلاتين بنسبة 3.1 في المائة إلى 1599.36 دولار للأوقية، بعد أن كان قد هبط في وقت سابق إلى أدنى مستوى له منذ نوفمبر الماضي. أما البلاديوم فزاد 1.6 في المائة ليبلغ 1223.68 دولار للأوقية، في حركة تؤكد أن التحسن في المزاج العام للأسواق شمل معظم المعادن النفيسة.

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الأسواق تتحرك حالياً وفق منطق شديد الحساسية للبيانات الأميركية. فكل إشارة إلى تباطؤ التوظيف أو انخفاض الضغط التضخمي تعيد تشكيل توقعات الفائدة وتمنح الذهب دفعة جديدة، بينما قد تعيد أرقام قوية أو مفاجئة الضغط على الأسعار من جديد.

الترقب يهيمن على التداولات المقبلة

في المدى القصير، سيظل تقرير الوظائف الأميركي الرسمي نقطة التحول الرئيسية لأسواق الذهب والسندات والدولار. وإذا أكدت البيانات استمرار التباطؤ في سوق العمل، فقد يحتفظ الذهب بمكاسبه أو يختبر مستويات أعلى، بدعم من توقعات أكثر اعتدالاً للفائدة. أما إذا جاءت الأرقام أفضل بكثير من التوقعات، فقد تتراجع رهانات التيسير النسبي ويعود الضغط على المعدن الأصفر.

وبين هذين الاحتمالين، يظل الذهب مؤشراً حساساً على المزاج الاقتصادي العالمي. فصعوده فوق 4 آلاف دولار لا يعكس فقط طلباً على الملاذات الآمنة، بل يترجم أيضاً شكوك المستثمرين حيال قوة الاقتصاد الأميركي، وقدرته على استيعاب تكلفة الفائدة المرتفعة من دون تباطؤ أعمق.