أبقت وكالة «فيتش» التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل للصين عند مستوى «A» مع «نظرة مستقبلية مستقرة»، في خطوة تعكس استمرار ثقة مؤسسات التقييم الدولية بقدرة ثاني أكبر اقتصاد في العالم على التماسك، رغم مزيج من التحديات الداخلية والضغوط الخارجية التي ما زالت تؤثر في مسار النمو.
ويأتي القرار في وقت تحاول فيه بكين تحقيق توازن دقيق بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار المالي، بينما يواصل الاقتصاد الصيني مواجهة تباطؤ في بعض المؤشرات الرئيسية، وفي مقدمتها الاستهلاك المحلي وقطاع العقارات، إلى جانب ضغوط مرتبطة بالتجارة العالمية وتقلبات البيئة الجيوسياسية.
عوامل القوة التي دعمت القرار
أشارت «فيتش» إلى أن الصين ما زالت تمتلك ركائز اقتصادية تجعلها قادرة على امتصاص الصدمات بصورة أفضل من كثير من الاقتصادات الأخرى. ومن أبرز هذه الركائز الحجم الضخم للاقتصاد، وتعدد القاعدة الإنتاجية، والدور المحوري الذي تؤديه البلاد في سلاسل الإمداد العالمية وفي التجارة الدولية.
هذه العوامل تمنح الاقتصاد الصيني درجة من المرونة، وتساعده على مواجهة التحديات المرتبطة بتباطؤ التجارة أو ارتفاع كلفة التمويل أو اضطرابات أسواق الطاقة. كما أن اتساع السوق المحلية الصينية يتيح للحكومة هامشاً أكبر لاستخدام أدوات الدعم والتحفيز عند الحاجة.
وترى الوكالة أن هذه الخصائص البنيوية لا تزال توفر للصين أساساً قوياً للنمو على المدى المتوسط، حتى مع استمرار التباطؤ مقارنة بمعدلات التوسع العالية التي سجلتها البلاد في فترات سابقة.
التجارة مع الولايات المتحدة وتراجع التوتر النسبي
يرتبط جزء مهم من تقييم «فيتش» بتطور العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة. فقد رأت الوكالة أن مستوى عدم اليقين الذي طغى على هذه العلاقة خلال العام الماضي تراجع نسبياً، بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين الشهر الماضي، والتي أسفرت عن تفاهمات تجارية جديدة.
وتشمل هذه التفاهمات خفضاً متبادلاً لبعض الرسوم الجمركية، إلى جانب تعزيز قنوات الحوار الاقتصادي بين أكبر اقتصادين في العالم. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات لا تعني انتهاء الخلافات التجارية بالكامل، فإنها أسهمت في تهدئة المخاوف من تصعيد جديد قد يضغط على التجارة والنشاط الصناعي وسلاسل الإمداد.
ويعد هذا التطور مهماً للصين، بالنظر إلى أن التجارة الخارجية تمثل إحدى الركائز الأساسية لنموها، وأن أي توتر ممتد مع واشنطن ينعكس سريعاً على ثقة المستثمرين والشركات وعلى حركة الصادرات والاستثمار الصناعي.
ضعف الاستهلاك المحلي يبقى التحدي الأبرز
رغم هذه الإشارات الإيجابية، شددت «فيتش» على أن التحديات الداخلية لا تزال قائمة، وعلى رأسها ضعف ثقة المستهلكين وتباطؤ الإنفاق الأسري. ويؤثر هذا الضعف مباشرة في الطلب المحلي، وهو أحد المحاور التي تراهن عليها الحكومة الصينية لإعادة توازن الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الصادرات والاستثمار العقاري.
وتظهر هذه الضغوط في البيانات الاقتصادية الأخيرة، إذ تراجع مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 50 نقطة في مايو، مقابل 50.3 نقطة في أبريل، وهو أدنى مستوى في ثلاثة أشهر. ورغم أن القراءة بقيت عند الحد الفاصل بين التوسع والانكماش، فإنها تعكس تباطؤاً واضحاً في نشاط التصنيع.
ويكتسب هذا التراجع أهمية خاصة لأن الصناعة ما زالت من أهم محركات الاقتصاد الصيني. وبالتالي، فإن أي ضعف في هذا القطاع ينعكس على التوظيف وسلاسل التوريد وحجم الطلب على المواد الخام والخدمات اللوجستية، بما يحد من سرعة التعافي الاقتصادي.
العقار والادخار الأسري تحت الضغط
لا تزال أزمة العقارات واحدة من أكثر القضايا حساسية في الاقتصاد الصيني. فقد أدى التباطؤ الممتد في هذا القطاع إلى تقليص جزء من ثروة الأسر، وهو ما انعكس على السلوك الاستهلاكي والاستثماري للمواطنين. ومع تراجع القيمة المتصورة للأصول العقارية، تصبح الأسر أكثر حذراً في الإنفاق، ما يضيف عبئاً إضافياً على الطلب الداخلي.
وتحاول السلطات الصينية مواجهة هذه التطورات عبر حزم دعم وإجراءات تحفيزية تستهدف إعادة الثقة إلى السوق وتعزيز النشاط الاقتصادي. وتشمل هذه الجهود تشجيع الطلب المحلي، ودعم قطاعات محددة، وتحسين بيئة التمويل للمشروعات، إلى جانب السعي لاحتواء المخاطر المرتبطة بالعقار والديون.
ورغم اتساع هذه التحديات، فإن تثبيت التصنيف يعكس قناعة بأن الضغوط الحالية، على حدتها، لا تزال ضمن نطاق يمكن السيطرة عليه، ولا تشير في الوقت الراهن إلى تدهور مباشر في الجدارة الائتمانية للدولة.
الطاقة والجغرافيا السياسية ضمن حسابات المخاطر
تطرقت «فيتش» أيضاً إلى المخاطر الخارجية المرتبطة بأسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، ولا سيما في ظل الاضطرابات المستمرة في الشرق الأوسط واحتمال انعكاسها على أسواق النفط العالمية. وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بالنسبة للصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم.
لكن الوكالة أوضحت أن بكين تبدو في وضع أفضل نسبياً للتعامل مع أي صدمات في الإمدادات. ويعود ذلك إلى امتلاكها مخزونات كبيرة من الخام، وإلى قدراتها التكريرية الواسعة، فضلاً عن تنويع مصادر الاستيراد خلال السنوات الماضية، بما يقلل اعتمادها على مسارات أو مناطق محددة.
كما أن الصين عملت على تعزيز احتياطاتها الاستراتيجية، وهو ما يمنحها هامشاً أكبر لامتصاص ارتفاعات الأسعار أو اضطرابات الشحن. وفي بيئة عالمية تتسم بتقلبات متكررة، تصبح هذه الأدوات جزءاً أساسياً من إدارة المخاطر الاقتصادية.
إشارة إلى صلابة المالية العامة
يرسل قرار «فيتش» أيضاً رسالة مفادها أن الوكالة ما زالت ترى في الحكومة الصينية قدرة كافية على إدارة التحديات الحالية من دون حدوث تدهور حاد في أوضاع المالية العامة أو الاستقرار المالي. وهذه النقطة مهمة للمستثمرين وحاملي السندات على حد سواء، لأنها تعني أن المخاطر السيادية لا تزال تحت السيطرة في المدى المنظور.
وبالنسبة للأسواق العالمية، فإن تثبيت التصنيف عند «A» مع نظرة مستقرة يعني أن الصين ما زالت تُعامل باعتبارها اقتصاداً كبيراً ذا أساسات صلبة، حتى وإن كان النمو قد تباطأ عن مستوياته التاريخية. كما أن هذا التقييم يمنح صانعي السياسات في بكين مساحة زمنية أوسع لمواصلة الإصلاحات والتحفيز دون ضغوط ائتمانية فورية.
في المحصلة، يعكس قرار «فيتش» صورة مزدوجة للاقتصاد الصيني: تحديات حقيقية في الاستهلاك والعقار والصناعة، مقابل قوة بنيوية كبيرة في الحجم والتنوع والموقع داخل الاقتصاد العالمي. وبين هذين المسارين، تبقى قدرة الصين على إعادة التوازن إلى نموذج نموها العامل الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة.