توقعات أسعار النفط في ظل اضطراب الإمدادات
رجّحت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني أن تحافظ أسعار خام «برنت» على مستويات مرتفعة خلال شهري يونيو ويوليو، في نطاق يتراوح بين 100 و110 دولارات للبرميل، إذا استمر إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. وتوقعت الوكالة أن يبدأ السعر بالتراجع لاحقاً إلى نحو 70 دولاراً للبرميل بحلول سبتمبر، مع انحسار حدة الأزمة الجيوسياسية وتراجع الضغوط على الإمدادات.
وترى «فيتش» أن السوق النفطية ستظل شديدة الحساسية لأي تطورات متصلة بالممر البحري الحيوي، خصوصاً أن أي تعطل طويل فيه يرفع تكلفة التأمين والنقل ويضاعف مخاطر الإمداد، وهو ما ينعكس سريعاً على الأسعار الفورية والعقود الآجلة.
إنتاج أوبك وقدرة السوق على التعويض
في تقدير الوكالة، قد تلجأ الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط إلى تشغيل طاقتها الإنتاجية بأقصى مستوى ممكن لتعويض النقص الناجم عن الإغلاق. وتشير «فيتش» إلى أن الطاقة الفائضة لدى «أوبك» كانت تقارب 3.6 مليون برميل يومياً قبل اندلاع النزاع، ما يمنح السوق بعض القدرة على امتصاص الصدمة، ولو جزئياً.
كما أشارت إلى أن عدداً من دول «أوبك بلس» اتخذ بالفعل خطوات لزيادة الإنتاج، في محاولة لدعم الاستقرار ومنع اتساع الفجوة بين العرض والطلب. لكن الوكالة تلاحظ أن قدرة هذه الزيادات على تهدئة السوق ستظل محدودة إذا استمر تعطّل مسارات التصدير البحرية لأشهر عدة.
وتقدّر «فيتش» أن متوسط سعر برنت خلال العام الحالي قد يبلغ 87 دولاراً للبرميل، وهو مستوى أعلى بكثير من المتوسط الفعلي المسجل في عام 2025 والبالغ 68 دولاراً، ما يعني مكاسب أوضح للمنتجين القادرين على الاستفادة من دورة الصعود الحالية.
إعادة فتح المضيق والمخاطر المرتبطة بالمدة
تعتمد توقعات «فيتش» على فرضية أن يتم استئناف الحركة الطبيعية عبر مضيق هرمز بعد نحو خمسة أشهر من الإغلاق، أي في نهاية يوليو تقريباً. وتوضح الوكالة أن أي فترة إغلاق أقصر من ذلك قد تقود إلى متوسطات سعرية سنوية أدنى من توقعاتها الحالية، بينما قد تدفع مدة أطول الأسعار إلى مستويات أعلى من السيناريو الأساسي.
كما تفترض الوكالة أن تعافي الإنتاج سيأتي سريعاً بعد إعادة فتح المضيق، نظراً إلى عدم تسجيل أضرار مادية كبيرة في البنية التحتية النفطية. وهذا يعني أن أثر الأزمة في الأسعار قد يكون حاداً لكنه مؤقت، ما لم تتسع دائرة التصعيد أو تمتد مدة التعطل أكثر مما هو متوقع.
فرص المنتجين في الخليج ومسارات التصدير البديلة
ترى «فيتش» أن منتجي النفط والغاز في دول مجلس التعاون الخليجي لديهم فرص متفاوتة للاستفادة من ارتفاع الأسعار، خصوصاً الشركات التي تستطيع استخدام مسارات بديلة لا تمر عبر مضيق هرمز. وتبدو الشركات العُمانية أقل تأثراً نسبياً لأن صادراتها لا تعتمد بدرجة كبيرة على هذا الممر.
أما المنتجون في السعودية والإمارات، فلديهم خطوط أنابيب تمنحهم هامشاً أكبر لتجاوز الاختناقات البحرية، ما يخفف جزئياً من أثر الإغلاق. في المقابل، تظل الشركات الكويتية والقطرية أكثر اعتماداً على النقل عبر المضيق، وبالتالي أكثر تعرضاً لتقلبات السوق ومخاطر التعطل.
ويعني ذلك أن أثر الأزمة لا يتوزع بالتساوي على الشركات أو الدول المنتجة، بل يتحدد وفق البنية اللوجستية ومرونة الوصول إلى منافذ تصدير بديلة، وهو عامل حاسم في تقييم الأرباح خلال فترات التوتر.
أسعار الغاز والتأثير في الأسواق الأوروبية
على صعيد الغاز، تتوقع «فيتش» ارتفاعاً محدوداً في الأسعار خلال 2026 مقارنة بعام 2025، مع وصول الزيادة إلى نحو 14 دولاراً لكل مليون قدم مكعبة، مقابل 12 دولاراً في العام السابق. وتربط الوكالة هذا الارتفاع بتعطل تدفقات الغاز الطبيعي المسال من قطر عبر مضيق هرمز.
ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن الطلب الأوروبي سيظل محدوداً نسبياً طوال 2026، في حال عادت حركة الملاحة إلى طبيعتها في نهاية يوليو تقريباً. ولهذا ترى «فيتش» أن الزيادة المتوقعة في أسعار الغاز ستبقى طفيفة مقارنة بحجم الاضطراب الذي كان يمكن أن يحدث لو استمر الإغلاق لفترة أطول أو اتسع نطاقه.
انعكاسات الأزمة على التجارة الإلكترونية منخفضة التكلفة
لا تقتصر آثار اضطراب الإمدادات والطاقة على أسواق النفط والغاز، بل تمتد أيضاً إلى نماذج الأعمال القائمة على الشحن السريع ومنخفض التكلفة في التجارة الإلكترونية العالمية. فقد بدأت شركات صينية كبرى في مواجهة ضغوط متزايدة على هوامش الربح مع ارتفاع رسوم النقل الجوي وقود الطائرات، إلى جانب ضعف الطلب في بعض الأسواق الغربية.
وتعتمد منصات مثل «تيمو» و«شي إن» و«علي إكسبريس» على نموذج يقوم على شحن منتجات منخفضة القيمة من المصانع الصينية مباشرة إلى المستهلكين حول العالم. لكن هذا النموذج أصبح أكثر كلفة مع تصاعد رسوم الشحن وعودة السياسات الجمركية المشددة في بعض الأسواق، ما أجبر بعض البائعين على رفع الأسعار أو إعادة ترتيب سلاسل التوريد.
وتشير بيانات الجمارك الصينية إلى أن صادرات التجارة الإلكترونية منخفضة التكلفة تراجعت بنسبة 10.9 في المائة في أبريل لتصل إلى 9.81 مليار دولار، مسجلة الشهر الخامس على التوالي من الانخفاض السنوي. ويعكس هذا التراجع ضغوطاً مركبة تجمع بين ارتفاع التكاليف اللوجستية وتباطؤ الاستهلاك الخارجي.
التحول نحو التخزين الإقليمي وتبدل نموذج التوزيع
يرى محللون أن أحد التغييرات المحتملة في هذا القطاع هو زيادة الاعتماد على المخازن الإقليمية بدلاً من الشحن الجوي المباشر من الصين. فمع ارتفاع تكلفة نقل قطعة ملابس صغيرة قد لا يتجاوز سعرها بضعة دولارات، تصبح تكلفة الشحن نسبة كبيرة من سعر البيع، وهو ما يضغط على الربحية ويحد من قدرة المنصات على الحفاظ على أسعارها السابقة.
وقد بدأت بعض الشركات بالفعل في توسيع قدراتها التخزينية داخل أوروبا، في محاولة لتقليل الاعتماد على الشحن العابر للقارات. هذا التحول لا يقتصر على خفض الكلفة فقط، بل يعكس أيضاً سعي الشركات إلى بناء سلاسل توريد أكثر مرونة في مواجهة الصدمات الجيوسياسية والرسوم الجديدة وتقلبات أسعار الوقود.
وفي المحصلة، تكشف تقديرات «فيتش» أن سوق الطاقة ما زالت تتحرك تحت تأثير مباشر للتوترات الإقليمية، بينما تتسرب تداعيات هذه التوترات بسرعة إلى قطاعات أخرى مثل الشحن والتجارة الإلكترونية. وبينما قد يوفر ارتفاع أسعار النفط والغاز مكاسب مؤقتة للمنتجين، فإنه يفرض في الوقت نفسه تكلفة أوسع على المستهلكين والشركات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.