موجة صعود تقودها أسهم التكنولوجيا
أنهى مؤشر نيكي الياباني أسبوعاً استثنائياً حقق خلاله أكبر مكسب أسبوعي له منذ نحو عامين، بعدما دفعت الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقاقات السوق إلى مستويات قياسية متتالية. ورغم تراجع جزء من المكاسب في جلسة الجمعة مع عودة القلق الجيوسياسي، فإن المحصلة الأسبوعية بقيت قوية للغاية، في إشارة إلى أن شهية المستثمرين تجاه قطاع التكنولوجيا ما زالت تشكل المحرك الأبرز للأسواق اليابانية.
وارتفع نيكي بنسبة 7.9 في المائة خلال الأسبوع، وهو أفضل أداء أسبوعي منذ أغسطس 2024، قبل أن يغلق الجمعة مرتفعاً 0.28 في المائة عند 71250.06 نقطة، بعد أن لامس مستوى قياسياً خلال الجلسة عند 71952.99 نقطة. وفي المقابل، تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 0.57 في المائة إلى 4044.96 نقطة، ما يعكس تباين الأداء بين قطاعات السوق، مع تفوق واضح لأسهم التكنولوجيا مقابل الضغط على البنوك وبعض القطاعات الدفاعية.
أسهم الرقائق تصعد بقوة
كان الأداء القوي لأسهم أشباه الموصلات أحد أهم أسباب الزخم في السوق. فقد ارتفع سهم أدفانتست بنسبة 4.75 في المائة، فيما صعد سهم كيوكسيا بنسبة 12 في المائة، وهو تحرك يعكس استمرار الرهانات على نمو الطلب المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، سواء في مراكز البيانات أو تطبيقات الحوسبة المتقدمة. كما عززت مكاسب هذه الأسهم من القناعة بأن السوق اليابانية أصبحت أكثر حساسية للاتجاه العالمي نحو الاستثمار في الرقائق والذكاء الاصطناعي.
وقال محللون إن المستثمرين يتعاملون مع هذه الشركات بوصفها المستفيد المباشر من دورة الإنفاق الجديدة على التكنولوجيا، خاصة مع توسع الطلب على التخزين والمعالجة وأجهزة الاتصال المرتبطة بخدمات الذكاء الاصطناعي. ووسط هذا الزخم، بقيت التداولات في القطاع التكنولوجي أكثر قوة من معظم القطاعات التقليدية في البورصة اليابانية.
فوجيكورا ترفع التوقعات وتدعم السوق
من بين أبرز المحركات الفردية للأسهم هذا الأسبوع، جاء صعود سهم فوجيكورا بعد أن رفعت الشركة توقعاتها لصافي الأرباح السنوية إلى 229 مليار ين، مقارنة بتقدير سابق عند 156 مليار ين. وقفز السهم 15.69 في المائة إلى الحد الأقصى اليومي عند 5161 يناً، فيما ارتفع سهم فوروكاوا إلكتريك المنافس بنسبة 15 في المائة. وجاء هذا الأداء بعد أن خفت مخاوف السوق بشأن أرباح شركات كابلات الألياف الضوئية، وهي شركات ينظر إليها على أنها جزء مهم من سلسلة التوريد الخاصة بمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
وتظهر هذه التطورات كيف يمكن لتعديل إيجابي في توقعات شركة صناعية واحدة أن ينعكس سريعاً على قطاع كامل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشركات ترتبط مباشرة بالبنية التحتية الرقمية. فارتفاع الطلب على الألياف الضوئية ومكونات الشبكات يعزز مكانة هذه الشركات في دورة الاستثمار التكنولوجي الحالية.
القلق الجيوسياسي يحد من الارتفاع
رغم موجة التفاؤل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لم تكن جلسة الجمعة خالية من الضغوط. فقد أثرت التطورات المتعلقة بالمحادثات الأميركية مع المفاوضين الإيرانيين بشأن إنهاء الصراع في الشرق الأوسط على معنويات المستثمرين، بعدما تأجلت المحادثات إلى أجل غير مسمى، ما زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية. كما ساهمت الرغبة في جني الأرباح قبل عطلة نهاية الأسبوع، خصوصاً مع إغلاق السوق الأميركية يوم الجمعة، في كبح المكاسب المبكرة للمؤشر الياباني.
وبحسب استراتيجيين في السوق، فإن المتعاملين كانوا ينتظرون مساراً أكثر وضوحاً بشأن التهدئة الإقليمية، لكن تعثر المفاوضات دفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم المراكز المفتوحة بعد أسبوع من الصعود المتواصل. وهذا يوضح أن الارتفاعات القياسية في الأسواق لا تنفصل عن المزاج العالمي العام، حتى عندما تكون المحركات الرئيسية داخلية ومرتبطة بقطاع بعينه.
البنوك تضغط على المؤشر الأوسع
في الوقت الذي استفادت فيه شركات التكنولوجيا والاتصالات الصناعية من موجة الشراء، تعرضت أسهم البنوك لضغوط واضحة وأثرت سلباً على أداء توبكس. فقد تراجع سهم مجموعة ميتسوبيشي يو.إف.جيه المالية بنسبة 2.85 في المائة، وانخفض سهم مجموعة ميزوهو المالية بنسبة 4.42 في المائة. ويعكس هذا التباين التحول في تفضيلات المستثمرين نحو القطاعات المرتبطة بالنمو المستقبلي بدلاً من المؤسسات المالية التقليدية، خصوصاً في بيئة تتأثر فيها التوقعات بسياسات النقد وأسعار الفائدة وتحركات الين.
كما أن القلق بشأن قدرة البنوك على مواصلة الاستفادة من رفع أسعار الفائدة في اليابان، في مقابل تصاعد الحساسية تجاه المخاطر الخارجية، جعل القطاع المصرفي أقل جاذبية خلال الجلسة. وفي ظل هذا المشهد، بقيت قوة الأسهم التقنية كافية لدفع نيكي إلى تسجيل أسبوع تاريخي، حتى مع ضعف الأداء في أجزاء أخرى من السوق.
ضعف الين يرفع عوائد السندات ويغذي مخاوف التضخم
بعيداً عن سوق الأسهم، واصلت أسواق الدين اليابانية تسجيل تحركات لافتة. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 3 نقاط أساس إلى 2.645 في المائة، بينما صعد عائد السندات لأجل عامين بمقدار نقطة أساس واحدة إلى 1.395 في المائة. كما ارتفع العائد على السندات لأجل خمس سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس إلى 1.885 في المائة، وصعد عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 3.810 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل 40 عاماً إلى 3.7 في المائة.
وجاءت هذه الحركة مع بقاء الين قريباً من أدنى مستوياته منذ أربعة عقود، وسط ترقب واسع لأي تدخل محتمل من السلطات. ويرى محللون أن استمرار ضعف العملة اليابانية قد يرفع تكاليف الاستيراد ويزيد الضغوط التضخمية، وهو ما يعزز الرهانات على أن بنك اليابان سيواصل تشديد سياسته النقدية إذا اقتضت الحاجة. وكان البنك المركزي قد رفع هذا الأسبوع سعر الفائدة إلى 1 في المائة من 0.75 في المائة، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع.
قراءة في اتجاه السوق
تكشف حركة الأسبوع عن سوق يابانية تعيش توازناً دقيقاً بين عوامل دعم قوية ومخاطر خارجية لا يمكن تجاهلها. فمن جهة، توفر أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق والألياف الضوئية قصة نمو جذابة للمستثمرين الباحثين عن القطاعات المرتبطة بالتحول الرقمي العالمي. ومن جهة أخرى، تظل التوترات الجيوسياسية، وضعف الين، وتوقعات التضخم، وقرارات السياسة النقدية، عوامل قادرة على تغيير مسار التداولات بسرعة.
ومع ذلك، فإن الأداء الأسبوعي لنيكي يرسل إشارة واضحة إلى أن السوق ما زالت تكافئ الشركات المرتبطة بموجة التكنولوجيا العالمية، وأن اليابان بدأت تستفيد بشكل أكبر من تموضعها الصناعي والتقني في سلاسل قيمة الذكاء الاصطناعي. وإذا استمرت أرباح الشركات الداعمة لهذا القطاع في التحسن، فقد يبقى المؤشر ضمن دائرة اهتمام المستثمرين العالميين خلال الأسابيع المقبلة.