مكاسب جديدة في طوكيو رغم الحذر
أغلق مؤشر نيكي الياباني على ارتفاع للجلسة الثالثة على التوالي، مستفيداً من الزخم الذي تولّده أسهم شركات التكنولوجيا والرقائق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لم تكن المكاسب كبيرة كما بدا في بداية التداولات، إذ ضغطت حالة الترقب في الأسواق العالمية والتطورات الجيوسياسية على شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
وصعد المؤشر القياسي بنسبة 0.59 في المائة ليصل إلى 70.474.96 نقطة، بعد أن كان قد تقدم خلال الجلسة بنحو 2.7 في المائة قبل أن يتراجع جزء من المكاسب. كما ارتفع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 0.42 في المائة إلى 4.011.50 نقطة، في إشارة إلى استمرار الدعم للسوق اليابانية، لكن بوتيرة أقل من أداء الافتتاح.
وجاءت الحركة الإيجابية في وقت يواجه فيه المستثمرون خليطاً من العوامل المتناقضة، بين توقعات نمو في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة من جهة، ومخاطر خارجية مرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط من جهة أخرى.
أسهم الرقائق تقود السوق
برزت شركات تصنيع أشباه الموصلات بوصفها المحرك الرئيسي للمؤشر، مع إقبال المستثمرين على الأسهم المرتبطة بسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. وكان الأداء لافتاً على نحو خاص في أسهم شركات حققت مستويات سعرية قياسية أو عادت إلى قمم تاريخية بعيدة.
وقفز سهم «سومكو» بنسبة 17.37 في المائة، مسجلاً أفضل إغلاق له منذ أكتوبر 2007. كما ارتفع سهم «تايو يودن» بنسبة 12.43 في المائة إلى مستوى غير مسبوق، في حين صعد سهم «سكرين هولدينغز» بنسبة 9.46 في المائة ليبلغ أيضاً مستوى قياسياً.
ويعكس هذا الأداء موجة الاهتمام المستمرة عالمياً بالاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، من الرقائق المتقدمة إلى معدات التصنيع والتغليف والتوريد الصناعي. وفي الأسواق اليابانية، يظهر أثر هذه الموجة بوضوح على الشركات التي ترتبط منتجاتها مباشرة بالتوسع في مراكز البيانات وتسريع الحوسبة.
تحذيرات من الاندفاع السريع
رغم قوة الافتتاح، حذّر محللون من الإفراط في التفاؤل بعد الارتفاعات السريعة التي سجلها السوق. وأشاروا إلى أن التحرك الحاد في جلسة سابقة أعقبه تراجع سريع في الزخم، ما يجعل جني الأرباح احتمالاً وارداً في المدى القصير.
وبحسب مذكرة بحثية صادرة عن محللين في «مختبر توكاي طوكيو للأبحاث»، فإن الطلب المحلي قد يستمر في دعم أسهم شركات الرقائق، وهو ما قد يبقي السوق في وضع أفضل عند الافتتاح. لكنهم شددوا في الوقت نفسه على أن الارتفاعات القوية تحتاج إلى قدر أكبر من الانضباط من المستثمرين، لأن التقلبات السريعة قد تمحو جزءاً كبيراً من المكاسب خلال جلسة واحدة.
ويبدو أن السوق اليابانية تتحرك حالياً في بيئة حساسة، حيث يتفاعل المتداولون بسرعة مع أي خبر يتعلق بالتكنولوجيا أو السياسة النقدية أو التوترات الإقليمية، ما يجعل الاتجاهات قصيرة الأجل أكثر تذبذباً من المعتاد.
تباين واضح بين الأسهم الرابحة والخاسرة
لم يكن الأداء إيجابياً على نطاق واسع داخل مؤشر نيكي 225، إذ ارتفعت أسهم 96 شركة فقط مقابل تراجع أسهم 127 شركة، بينما بقيت شركتان دون تغيير. ويشير هذا التباين إلى أن المكاسب كانت متركزة في قطاعات بعينها، وليس نتيجة صعود عام يشمل معظم مكونات السوق.
ومن بين الأسهم المتراجعة، جاءت «جيه فرونت ريتيلينغ» ضمن الأسوأ أداءً بعد هبوط بلغ 7.6 في المائة، عقب نتائج مالية جاءت دون توقعات المستثمرين خلال الفترة الممتدة من مارس إلى مايو. وفي المقابل، شهدت «كاواساكي للصناعات الثقيلة» تقلبات حادة، إذ ارتفعت في وقت مبكر بأكثر من 5 في المائة قبل أن تنهي الجلسة على انخفاض بنسبة 7.66 في المائة.
وجاء الضغط على «كاواساكي» بعد تقارير تحدثت عن إنهاء خططها لجمع نحو 200 مليار ين، أي ما يعادل 1.23 مليار دولار، عبر إصدار أسهم جديدة وسندات قابلة للتحويل لتمويل الإنفاق الرأسمالي. ويعكس ذلك حساسية المستثمرين تجاه خطط التمويل في بيئة تتسم بتغيرات متسارعة في تكلفة رأس المال.
بيانات بنك اليابان تعزز صورة الاقتصاد
على صعيد الاقتصاد الحقيقي، أظهر مسح «تانكان» الفصلي الصادر عن بنك اليابان تحسناً في معنويات كبار المصنّعين خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في يونيو، لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2018. ويعد هذا التطور إشارة إيجابية إلى صمود النشاط الصناعي، لا سيما في ظل الدعم الذي تحظى به القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والصادرات.
لكن الصورة المستقبلية لا تزال أقل وضوحاً، إذ تتوقع الشركات تراجع ظروف الأعمال خلال الربع التالي، مع استعدادها لموجة من ارتفاع التكاليف واحتمال ظهور قيود على الإمدادات نتيجة الصراع في الشرق الأوسط. وهذا التوازن بين تحسن المعنويات الحالية وازدياد القلق المستقبلي يفسر جانباً من تردد السوق.
كما أن الأسواق تراقب عن قرب أثر التوترات الدولية على أسعار الطاقة والشحن وسلاسل التوريد، وهي عناصر يمكن أن تنعكس مباشرة على هوامش أرباح الشركات اليابانية، خصوصاً في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة أو المعتمدة على المواد المستوردة.
ارتفاع العوائد يزيد الضغط على السندات
في سوق الدخل الثابت، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية، مع استمرار استقرار العوائد طويلة الأجل قرب أعلى مستوياتها في شهر. وجاء ذلك في ظل ضعف الين ومخاوف المستثمرين من توسع مالي محتمل، ما أثّر سلباً على معنويات سوق السندات.
وصعد عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.5 نقطة أساس إلى 2.715 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 9 يونيو. كما ارتفع عائد السندات لأجل 20 عاماً إلى 3.670 في المائة، بينما زاد عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 3.950 في المائة. أما عائد السندات لأجل 40 عاماً فانخفض نقطة أساس واحدة إلى 3.795 في المائة.
وتتحرك العوائد عكسياً مع أسعار السندات، ما يعني أن الارتفاع الحالي يعكس ضغوط بيع على أدوات الدين الحكومية. ويأتي ذلك بالتزامن مع هبوط الين إلى أدنى مستوى أمام الدولار منذ 1986 خلال الليل، عند 162.59 ين، وهو مستوى أثار توقعات بتدخل محتمل من السلطات اليابانية.
السياسة النقدية والعملة في صدارة الاهتمام
زاد الجدل في السوق بعد أن دعت الخطة الاقتصادية الأولى لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بنك اليابان إلى تنسيق السياسة النقدية مع جهود الحكومة الرامية إلى دعم النمو، في إشارة فُسرت على أنها تفضيل لاستمرار الفائدة المنخفضة. ويمنح هذا التوجه دفعة جزئية للأسهم، لكنه في المقابل يضيف ضغوطاً على الين وعلى سوق السندات.
وقال نورياتسو تانجي، كبير استراتيجيي السندات في «ميزوهو» للأوراق المالية، إن السياسات الحكومية المتوقعة لا يبدو أنها سترفع العوائد الطويلة الأجل على المدى المتوسط إلى الطويل. لكنه أضاف أن الغموض بشأن إقرار ميزانية تكميلية قد يستمر حتى الخريف، ما يبقي احتمال صعود العوائد قائماً في الأجل القريب.
كما أشار إلى أن الارتفاع الطفيف في عوائد سندات الخزانة الأميركية خلال الليل، بعد بيانات أفضل من المتوقع عن فرص العمل، قد ينعكس أيضاً على السوق اليابانية. وتترقب الأسواق الأميركية صدور بيانات إضافية عن سوق العمل، وهو ما قد يحدد اتجاهات العوائد عالمياً خلال الفترة المقبلة.
في المحصلة، يظهر المشهد الياباني الحالي اقتصاداً وسوقاً ماليّة يتحركان بين دعم قوي من موجة الذكاء الاصطناعي، وضغوط من العملة الضعيفة، وارتفاع العوائد، وعدم اليقين الخارجي. وهذه العناصر مجتمعة تجعل استمرار الاتجاه الصعودي مرهوناً بقدرة السوق على استيعاب الأخبار الإيجابية من دون إفراط في التسعير.