أعاد الارتفاع الكبير في أسعار الذهب تشكيل حسابات سوق الساعات الفاخرة المستعملة، بعدما وجد بعض التجار والملاك أن قيمة المعدن الأصفر داخل عدد من الطرازات القديمة تفوق أحياناً السعر المتوقع لها في المزادات أو في السوق الثانوية.
وتشير شهادات من داخل السوق إلى أن هذه الظاهرة لا ترتبط بكل الساعات الفاخرة، بل تتركز بدرجة أكبر في الطرازات المستعملة الأقل ندرة، وبعض الإصدارات الكلاسيكية التي لا تحظى بطلب قوي من جامعي القطع النادرة. وفي هذه الحالات، يصبح الفرق بين قيمة الساعة كقطعة مقتناة وقيمتها كذهب خام عاملاً حاسماً في قرار البيع أو الصهر.
ويبرز هذا الاتجاه بشكل أوضح في الساعات المصنوعة من الذهب عيار 18 قيراطاً، حيث قد يكون محتوى المعدن فيها كافياً لتجاوز عروض الشراء المعتادة. وفي مثال لافت، قرر تاجر بريطاني صهر ساعة قديمة من طراز «كونستليشن» بعدما تبين له أن قيمة الذهب فيها أعلى من التقدير المرتقب لبيعها بالمزاد، رغم أن الساعة كانت بحالة جيدة.
السوق الثانوية تحت ضغط سعر المعدن
التحرك نحو الصهر لا يأتي من فراغ، بل من توازن جديد فرضه صعود الذهب إلى مستويات مرتفعة خلال الأشهر الأخيرة. فبعد أن لامس المعدن النفيس ذروة تاريخية قرب 5,600 دولار للأونصة في يناير، ما يزال يتداول عند مستويات مرتفعة نسبياً حول 4,200 دولار، وهو ما أبقى الحافز قائماً لدى بعض المتعاملين لتحويل الساعات الذهبية إلى سبائك أو خردة قابلة لإعادة التدوير.
هذا التحول يعكس منطقاً استثمارياً مباشراً: حين ترتفع أسعار الذهب، يزداد الميل إلى استخراج القيمة من المنتجات التي يحتويها، حتى لو كانت تلك المنتجات تحمل اسماً معروفاً في عالم الساعات. وبالنسبة لبعض التجار، تصبح الساعة الفاخرة المستعملة في هذه الحالة أقرب إلى وعاء للمعدن منها إلى سلعة مقتناة بفضل ندرتها أو تاريخها.
ويؤكد خبراء في هذا القطاع أن عمليات الصهر تتركز عادة على الساعات الحديثة المستعملة أو على بعض الإصدارات الكلاسيكية التي لا تتمتع بجاذبية جمعٍ كافية. أما القطع الاستثنائية والنادرة، فلا تزال غالباً بمنأى عن هذه الموجة لأن قيمتها التاريخية والتجميعية قد تتجاوز كثيراً وزنها المعدني.
إعادة التدوير ترتفع والطلب على الذهب يبقى قوياً
تزامن هذا السلوك مع اتساع نشاط إعادة تدوير الذهب عالمياً. وتظهر بيانات مجلس الذهب العالمي أن إعادة التدوير ارتفعت في الربع الأول بنحو 5% لتصل إلى 366 طناً، في حين نما الطلب على الحُلي الذهبية بنسبة 31% من حيث القيمة ليبلغ 47 مليار دولار. وهذه الأرقام تعكس أن السوق لا تتحرك فقط بفعل المضاربات، بل أيضاً نتيجة إعادة توجيه الذهب بين الاستخدامات المختلفة.
كما أن التوقعات ما تزال تميل إلى استمرار الأسعار عند مستويات داعمة لهذه الظاهرة خلال العام الجاري، مع حديث في السوق عن إمكانية صعود الأونصة إلى نطاق يتراوح بين 5,400 و6,300 دولار. وإذا تحقق ذلك، فقد تتوسع عمليات الصهر لتشمل مزيداً من الساعات الجديدة التي أُنتجت بكميات كبيرة، ما يجعل وفرة المعروض من بعض الطرازات عاملاً إضافياً يقلل من تمسك أصحابها بها.
وفي المقابل، يظل عدد من الملاك متمسكين بساعاتهم لأسباب تتجاوز الحسابات المالية المباشرة، سواء بسبب الارتباط العاطفي أو لقيمتها التاريخية أو لاعتبارها جزءاً من مقتنيات عائلية. وهذا ما يجعل القرار في كثير من الحالات أقرب إلى مفاضلة بين الربح الفوري والاحتفاظ بقطعة تحمل معنى شخصياً أو تراثياً.
خسارة ثقافية مقابل مكسب نقدي
يحذر مختصون في هذا المجال من أن صهر الساعات النادرة قد يعني خسارة ثقافية لا تعوض، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بطرازات لها أهمية في تاريخ التصميم أو الصناعة. فبينما يمكن استبدال الذهب كمادة خام، لا يمكن استرجاع النسخة الأصلية بعد تحويلها إلى معدن منصهر.
وتكمن الإشكالية الأساسية في أن السوق لا يميز دائماً بين الساعة كأصل له قيمة تاريخية وبينها كسلعة تحتوي على كمية محددة من الذهب. ولهذا السبب قد تنتهي بعض القطع إلى الصهر فقط لأن سعر المعدن ارتفع، رغم أن قيمتها في المستقبل قد تكون أعلى لو بقيت سليمة.
في نهاية المطاف، تكشف هذه الظاهرة عن وجه آخر من تأثير أسعار السلع في الأسواق الاستهلاكية الفاخرة: فارتفاع الذهب لا ينعكس فقط على المدخرات أو المجوهرات، بل يصل أيضاً إلى منتجات تبدو بعيدة عن عالم التعدين، مثل الساعات الفاخرة. ومع استمرار التذبذب في الأسواق العالمية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الملاك والتجار: هل الأفضل الاحتفاظ بالقطعة كرمز للذوق والتاريخ، أم تحويلها إلى قيمة نقدية فورية قبل أن يتغير المشهد مجدداً؟