07-Jul-2026 5 دقائق قراءة

عوائد سندات منطقة اليورو تتجه لأفضل أداء أسبوعي منذ يونيو مع تصاعد الضغوط على السندات طويلة الأجل

ارتفعت عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل في منطقة اليورو مع إعادة تموضع المستثمرين، بينما اتسعت الفجوة بين الديون الفرنسية والألمانية وسط مخاوف مالية متجددة في باريس.

تحول في اتجاه العوائد بعد موجة تراجع سابقة

تتجه عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل في منطقة اليورو إلى تسجيل أول ارتفاع أسبوعي لها منذ أوائل يونيو، في إشارة إلى أن موجة التراجع التي أعقبت التطورات الجيوسياسية الأخيرة لم تدم طويلاً. وجاء هذا التحول مع قيام المستثمرين بإعادة توزيع مراكزهم الاستثمارية، بعدما دفعتهم ردود الفعل الأولية إلى الرهان على هبوط أكبر في العوائد.

وساهمت عوامل متعددة في هذا المسار، من بينها التحركات في أسواق الديون العالمية، وتبدل توقعات السياسة النقدية، وارتفاع العوائد في الولايات المتحدة واليابان. ويعكس ذلك أن سوق السندات الأوروبية لا تتحرك بمعزل عن بقية الأسواق الكبرى، بل تتأثر سريعاً بأي تبدل في شهية المخاطرة أو اتجاهات التضخم والنمو العالمي.

في ألمانيا، ارتفع العائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى 2.92 في المائة، مسجلاً زيادة طفيفة خلال الجلسات الأخيرة، مع اقترابه من تحقيق مكسب أسبوعي بنحو 8 نقاط أساس. ورغم هذا الارتفاع، لا يزال العائد أقل بكثير من الذروة التي بلغها في منتصف مايو عند 3.20 في المائة، ما يعني أن السوق ما زالت تتحرك ضمن نطاق تصحيحي أكثر منه في موجة بيع واسعة.

العوامل العالمية تضغط على أسواق الديون الأوروبية

لم يكن صعود العوائد الألمانية مرتبطاً فقط بعوامل داخلية في منطقة اليورو، بل تأثر أيضاً بارتفاع حاد في عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل في اليابان، نتيجة مخاوف من زيادة الإنفاق هناك. وفي الوقت نفسه، صعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بنحو 11 نقطة أساس، ما عزز الاتجاه العام نحو رفع العوائد في الأسواق المتقدمة.

كما أن هبوط أسعار النفط إلى حدود 70 دولاراً للبرميل بعد إعادة فتح مضيق هرمز ساعد الأسواق على إعادة تقييم تأثيرات الاتفاق الأميركي الإيراني. ففي البداية، دفعت هذه التطورات المستثمرين إلى توقع ضغوط أقل على النمو والتضخم، لكن السوق سرعان ما عادت إلى قراءة أكثر توازناً، خصوصاً بعدما تقلصت الرهانات على أن البنك المركزي الأوروبي قد يواصل التشديد النقدي بوتيرة أسرع.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة في يونيو، بينما لا تزال أسواق المال ترجح احتمال تنفيذ رفع إضافي واحد على الأقل قبل نهاية العام. ومع ذلك، فإن بيانات التضخم الضعيفة هذا الأسبوع دعمت أسعار الفائدة القصيرة الأجل ومنحت السوق قدراً من الهدوء النسبي، حتى مع بقاء السندات الطويلة عرضة لتقلبات أكبر.

انحدار منحنى العائد يلفت انتباه المستثمرين

في سوق السندات الألمانية لأجل عامين، وهي من أكثر الشرائح حساسية لتوقعات السياسة النقدية، ارتفع العائد بمقدار 3 نقاط أساس إلى 2.52 في المائة. لكن هذا التحرك كان محدوداً نسبياً خلال الأسبوع، وهو ما أدى إلى اتساع الفارق بين عوائد السندات لأجل عامين وعشرة أعوام إلى 40 نقطة أساس، وهو مستوى قريب من أعلى مستوياته منذ أوائل يونيو.

ويُفسَّر هذا الاتساع في السوق على أنه زيادة في انحدار منحنى العائد، وهو مؤشر مهم في تقييم توقعات النمو وسياسة الفائدة مستقبلاً. فعندما ترتفع العوائد طويلة الأجل بوتيرة أسرع من القصيرة الأجل، فإن ذلك غالباً ما يعكس مزيجاً من القلق بشأن التمويل الحكومي، أو توقعات أكثر تشدداً بشأن التضخم، أو تغيراً في الطلب العالمي على السندات.

وقال محللون في السوق إن أسعار الفائدة القصيرة الأجل بقيت مستقرة نسبياً بفعل مؤشرات التضخم الضعيفة، في حين تلقت السندات طويلة الأجل دفعة من التقلبات التي شهدتها السوق اليابانية. كما أشاروا إلى أن المتوسط المتحرك لعائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات عند 2.85 في المائة أصبح مستوى فنياً مهماً، بعدما فشل العائد في كسره هبوطاً في وقت سابق من الأسبوع.

هذا الفشل في اختراق المستوى النزولي، إلى جانب سلسلة القمم الهابطة منذ مايو، يبقي احتمال وصول العوائد إلى ذروتها قائماً، لكنه لا يلغي في المقابل احتمال حدوث موجات ارتفاع إضافية إذا استمرت الضغوط العالمية على السندات طويلة الأجل.

فرنسا تحت المجهر مع اتساع علاوة المخاطر

حافظت بقية أسواق الديون السيادية في منطقة اليورو على اتجاه قريب من ألمانيا. وارتفع عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات إلى 3.71 في المائة، بينما صعد العائد الفرنسي إلى 3.72 في المائة. غير أن التطور الأبرز كان في الفارق بين العائدين الفرنسي والألماني، الذي اتسع إلى 80 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر 2025.

ويعني ذلك أن المستثمرين يطلبون علاوة مخاطر أكبر للاحتفاظ بالديون الفرنسية مقارنة بالألمانية، في مؤشر على تصاعد القلق بشأن أوضاع المالية العامة في فرنسا. وقد زادت هذه المخاوف بعدما رفعت مؤسسة بحثية كبرى توقعاتها لعجز الموازنة الفرنسية إلى 5.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، محذرة من أن شهر يوليو قد يكون حاسماً لمسار السياسة المالية.

وبحسب تقديراتها، فإن القرارات الرئيسية المتعلقة بالموازنة يجب أن تُتخذ خلال يوليو قبل الشروع في إعداد مشروع قانون الموازنة خلال الصيف، تمهيداً لعرضه على البرلمان في أوائل أكتوبر. وتاريخياً، كانت التعثرات السياسية في باريس قادرة على دفع الفارق بين العوائد الفرنسية والألمانية إلى مستويات مرتفعة، كما حدث عندما اقترب من 90 نقطة أساس في وقت سابق من 2025 بعد تعثر إقرار مشروع الموازنة.

هذا الاتساع في الفجوة لا يقتصر على كونه حركة فنية في السوق، بل يعكس حساسية واضحة تجاه مخاطر التمويل العام في إحدى أكبر اقتصادات منطقة اليورو. وكلما اتسعت هذه الفجوة، زادت كلفة الاقتراض النسبي على فرنسا مقارنة بألمانيا، ما يضع ضغطاً إضافياً على صناع السياسة المالية.

قراءة السوق: بين استقرار قصير الأجل وحذر ممتد

المشهد الحالي في أسواق السندات الأوروبية يوحي بأن المستثمرين لا يتبنون اتجاهاً واحداً حاسماً، بل يوازنون بين إشارات متناقضة. فمن جهة، هناك بيانات تضخم أضعف من المتوقع، وتراجع في أسعار الطاقة، وإشارات على تحسن النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو. ومن جهة أخرى، تظل العوائد الطويلة عرضة لضغوط من تحركات الأسواق الخارجية، إضافة إلى مخاوف تتصل بالسياسات المالية في بعض الدول الرئيسية.

وبينما تبدو أسعار الفائدة القصيرة الأجل أكثر استقراراً، فإن الجزء الطويل من المنحنى هو الأكثر حساسية لتغير المزاج العالمي، سواء بسبب السندات الأميركية أو اليابانية أو المخاوف الأوروبية الداخلية. لهذا السبب، يراقب المستثمرون عن كثب مستويات العائد الفنية، وفوارق العائد بين الدول، وأي إشارات جديدة من البنك المركزي الأوروبي بشأن المسار المستقبلي للفائدة.

وفي المحصلة، تكشف تحركات هذا الأسبوع أن سوق الديون في منطقة اليورو دخلت مرحلة أكثر توازناً لكنها أيضاً أكثر حساسية، حيث يمكن لأي تطور سياسي أو اقتصادي عالمي أن يغير اتجاه العوائد بسرعة، سواء نحو مزيد من الصعود أو نحو استقرار مؤقت ينتظر بيانات جديدة.