أبقى مزود المؤشرات العالمي MSCI على سوق الأسهم الإندونيسي ضمن فئة الأسواق الناشئة، بعد أن قرر تأجيل أي خفض محتمل إلى وضع الأسواق الحدودية حتى نوفمبر. ويمنح هذا القرار جاكرتا مهلة إضافية لمواصلة حزمة الإصلاحات التي أطلقتها منذ بداية العام لمعالجة المخاوف المرتبطة بشفافية السوق وآليات التداول.
القرار لا يعني إغلاق ملف المراجعة، لكنه يخفف الضغط المباشر عن السوق الإندونيسية في الأمد القصير. وفي المقابل، يضع السلطات التنظيمية أمام اختبار واضح: إظهار أن الإصلاحات المعلنة ليست مجرد استجابة مؤقتة، بل تغييرات قابلة للتنفيذ والقياس على نطاق واسع.
رفع نسبة الأسهم الحرة في مقدمة الإصلاحات
من أبرز الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والجهات التنظيمية رفع الحد الأدنى لنسبة الأسهم الحرة للشركات المدرجة من 7.5% إلى 15%. والمقصود بالأسهم الحرة تلك التي تكون متاحة للتداول العام، وليست محتفظاً بها لدى مؤسسين أو مساهمين كبار أو جهات حكومية.
تأتي هذه الخطوة في إطار محاولة الحد من الممارسات التي يشتبه بأنها تؤدي إلى تضخيم الأسعار عبر تداولات بين أطراف مرتبطة، وهو ما يعرف محلياً بين الوسطاء بتعبير يشير إلى “تسخين” الأسهم. وترى السلطات أن زيادة عدد الأسهم المتداولة علناً يمكن أن تجعل التلاعب بالأسعار أكثر صعوبة، لأنها توسع قاعدة التداول وتقلل تركّز الملكية.
وبالإضافة إلى ذلك، خفضت جاكرتا عتبة الإفصاح الإلزامي للمساهمين من 5% إلى 1%، مع توسيع تصنيفات المساهمين لتصبح أكثر تفصيلاً. كما نشر بورصة إندونيسيا قائمة بالأسهم ذات التركّز المرتفع في الملكية، في محاولة لزيادة الشفافية وتسليط الضوء على الشركات الأكثر عرضة للتداول المنسق أو غير الطبيعي.
وشملت الإجراءات أيضاً تشديد قواعد الحد الأدنى لرأس المال بالنسبة لشركات الأوراق المالية وبعض مديري الأصول، بهدف تقليل مخاطر التلاعب وتعزيز الانضباط داخل السوق.
إصلاحات في البنية التنظيمية وحوكمة البورصة
إلى جانب قواعد التداول والإفصاح، تعمل إندونيسيا على تسريع مسار تحويل البورصة إلى كيان عام مملوك للمساهمين بدلاً من النموذج الحالي القائم على العضوية والإدارة الذاتية. هذه العملية، المعروفة باسم إزالة الطابع التبادلي أو demutualisation، يُنظر إليها على أنها خطوة تعزز الحوكمة وتضع البورصة أقرب إلى نماذج العمل المعتمدة في أسواق المنطقة.
كما جرى تعيين رئيس جديد للهيئة المنظمة للأسواق المالية ورئيس جديد للإشراف على سوق الأسهم، إضافة إلى الرئيس التنفيذي للبورصة. وجاءت هذه التحركات بعد اضطرابات إدارية واسعة أثارتها التحذيرات الأولى من MSCI في يناير، والتي تسببت آنذاك في استقالات جماعية داخل مستويات قيادية عليا.
من وجهة نظر السوق، تمثل هذه التغييرات الإدارية إشارة إلى أن السلطات الإندونيسية لا تحاول فقط تعديل القواعد، بل تعيد ترتيب منظومة الرقابة والقرار داخل القطاع المالي بأكمله.
لماذا لم يُحسم قرار الخفض رغم الإصلاحات؟
رغم وصف MSCI للإجراءات الأخيرة بأنها خطوة في الاتجاه الصحيح، فإن الجهة المصدرة للمؤشرات ترى أن الحكم النهائي يحتاج إلى وقت إضافي لرصد التنفيذ العملي والأثر الفعلي لهذه التدابير. ويرتبط ذلك بشكل خاص برفع نسبة الأسهم الحرة، إذ إن الشركات المدرجة لن تنتقل جميعها إلى النسبة الجديدة في توقيت واحد.
فقد قسمت الجهات التنظيمية الشركات إلى ثلاث شرائح زمنية لتنفيذ المتطلبات الجديدة، تمتد من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات، بحسب القيمة السوقية للشركة اعتباراً من 31 مارس. وهذا يعني أن تأثير الإصلاح الأهم لن يصبح واضحاً بالكامل قبل العام المقبل على الأقل، ما يجعل التقييم المبكر غير كافٍ لاتخاذ قرار نهائي.
كما أن نجاح خطة رفع الأسهم الحرة ليس مضموناً. فالشركات ستحتاج إلى طرح مزيد من الأسهم في السوق، لكن الإقبال على هذه الإصدارات قد يبقى محدوداً في سوق لا تزال توصف بأنها ضحلة نسبياً، وفي ظل حذر المستثمرين الأجانب من بعض السياسات الشعبوية المنسوبة إلى الرئيس برابوو سوبيانتو.
وتشير تقديرات بورصة إندونيسيا حتى نهاية 2025 إلى أنه، إذا لم تقم أي شركة بالشطب من السوق، فقد تحتاج الشركات المدرجة إلى طرح أسهم إضافية بقيمة تقارب 187 تريليون روبية، أي نحو 10 مليارات دولار، حتى تلتزم جميعها بقاعدة الـ15% الخاصة بالأسهم الحرة.
أهمية التدفقات الأجنبية للاقتصاد الإندونيسي
تسعى الحكومة إلى توسيع قاعدة المستثمرين المحليين لدعم السوق، إذ سمحت لشركات التأمين وصناديق التقاعد بزيادة استثماراتها في الأسهم. كما يُتوقع أن يلعب صندوق الثروة السيادي دانانتارا دوراً أكبر في السوق، وقد يصبح أحد المساهمين في البورصة نفسها بعد استكمال جهود التحول الهيكلي.
لكن هذه التحركات، رغم أهميتها، لا تعوض بالكامل الحاجة إلى رؤوس الأموال الأجنبية. فإندونيسيا، باعتبارها اقتصاداً بقيمة 1.4 تريليون دولار وعضواً في مجموعة العشرين، تعتمد على هذه التدفقات لدعم النمو والاستقرار النقدي، خصوصاً في ظل الضغوط التي تتعرض لها عملتها.
وأي خفض في تصنيف السوق من emerging إلى frontier سيجبر الصناديق السلبية المرتبطة بمؤشرات MSCI على البيع، كما سيؤدي إلى خروج الصناديق التي تمنعها سياساتها الاستثمارية من الاحتفاظ بأسهم الأسواق الحدودية. وحتى الصناديق النشطة قد تخفف انكشافها على إندونيسيا إذا تغير التصنيف.
وتقدّر Goldman Sachs أن إجمالي التدفقات الخارجة قد يصل إلى 13 مليار دولار في أسوأ السيناريوهات، وهو رقم كفيل بزيادة الضغط على الأسهم وعلى العملة معاً.
الخسائر في السوق والضغط على الروبية
منذ التحذير الأول الصادر عن MSCI في يناير، خسرت سوق الأسهم الإندونيسية نحو 370 مليار دولار من قيمتها، ما جعلها من بين أضعف الأسواق أداءً عالمياً خلال الفترة نفسها. ويعكس ذلك تحولاً حاداً في النظرة التقليدية إلى إندونيسيا باعتبارها سوقاً مستقرة وجاذبة للاستثمار على المدى الطويل.
ولم تتوقف الضغوط عند الأسهم، إذ زادت التراجعات بسبب هبوط الروبية إلى مستويات قياسية متتالية. ويأتي ضعف العملة في سياق قلق أوسع بشأن تأثير الحرب في الشرق الأوسط على الميزانية الإندونيسية، إلى جانب المخاوف من كلفة البرامج الشعبوية المرتفعة والتوجهات السياسية غير الواضحة.
في المحصلة، حصلت جاكرتا على مهلة مهمة، لكنها ليست ضماناً. فالمطلوب الآن هو إثبات أن الإصلاحات التنظيمية يمكن أن تعيد الثقة إلى السوق، وأنها ستنجح في كبح الشكوك حول الشفافية والتلاعب والسيولة. وحتى موعد المراجعة المقبلة في نوفمبر، ستبقى إندونيسيا تحت مراقبة دقيقة من المستثمرين ومزودي المؤشرات وصناديق الاستثمار العالمية.