توتر مالي يعيد الملف النفطي إلى الواجهة
عاد الخلاف بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان إلى دائرة التوتر، بعدما بدت ملامح تسوية في ملف النفط قاب قوسين من التحقق. لكن النقاش سرعان ما انتقل من ترتيبات الإنتاج والتسليم إلى ملف الموازنة والالتزامات المالية، وهو ما أعاد تعقيد العلاقة بين الطرفين وألقى بظلاله على أي تفاهمات اقتصادية يمكن البناء عليها في المدى القريب.
جوهر الأزمة يتمثل في مطالبة بغداد لأربيل بتسليم مبلغ شهري ثابت قدره 120 مليار دينار عراقي، في وقت تعتبر فيه حكومة الإقليم أن هذا الرقم لا يستند إلى قاعدة قانونية صلبة، وأن ما ينص عليه القانون هو تسليم نسبة من الإيرادات غير النفطية المتحققة فعلياً، لا رقم جامد يُفرض بغض النظر عن حجم التحصيل.
وتأتي هذه المواجهة المالية بعد حراك دبلوماسي وسياسي شهدته الأسابيع الماضية، ورافقته محاولات لاحتواء الخلافات المتراكمة بين الجانبين، لكن التطورات الأخيرة أعادت طرح سؤال أوسع: هل يمكن فصل تفاهمات النفط عن معادلة الموازنة والإيرادات، أم أن الملفين باتا مترابطين بصورة لا تسمح بحل أحدهما دون الآخر؟
الاستقطاع الثابت يثير اعتراض أربيل
في أربيل، تُقدَّم المطالبة بالمبلغ الشهري بوصفها إخلالاً بآلية التوزيع المنصوص عليها في التشريعات المالية. ويؤكد مسؤولون قانونيون في الإقليم أن المادة ذات الصلة في قانون الإدارة المالية الاتحادية تعتمد مبدأ النسبة من الإيرادات المتحصلة، لا تثبيت رقم محدد مسبقاً، لأن الإيرادات بطبيعتها تتغير صعوداً وهبوطاً وفق النشاط الاقتصادي وحركة التجارة والتحصيل الجمركي.
ويقول هذا التفسير إن ما يفترض تسليمه لبغداد هو نصف الإيرادات الاتحادية غير النفطية التي تُجمع في الإقليم، مثل الجمارك والمنافذ والموانئ، بينما تبقى الإيرادات المحلية ضمن صلاحيات الإقليم. ووفق هذا المنطق، فإن تحويل الالتزام إلى مبلغ ثابت يخلق عبئاً مالياً إضافياً، خصوصاً عندما تتراجع العوائد الفعلية بفعل تباطؤ التجارة أو اضطراب الأوضاع الإقليمية.
ويحذر مسؤولون وخبراء في كردستان من أن الإصرار على الرقم الثابت قد يدفع الإقليم إلى تغطية الاستحقاق من بنود أساسية مثل الرواتب والخدمات العامة، وهو ما يعني عملياً تحميل المواطنين كلفة خلاف قانوني ومالي لم يُحسم بعد. كما يرون أن أي تسوية مستقرة يجب أن تقوم على مراجعة مشتركة للإيرادات الفعلية بدل الاعتماد على تقديرات سابقة لم تعد تعكس الواقع الحالي.
أرقام متضاربة حول الحصص المالية
من جانبها، تعرض وزارة المالية والاقتصاد في حكومة الإقليم صورة مختلفة للأزمة، عبر أرقام تؤكد أن العلاقة المالية مع بغداد شهدت خللاً تراكم عبر سنوات. وتقول الوزارة إن الحكومة الاتحادية لم تحول إلى الإقليم سوى 42 في المائة تقريباً من حصته المالية المفترضة خلال الأعوام السبعة الماضية.
وبحسب هذه البيانات، فإن الحصة المستحقة بعد استبعاد النفقات السيادية والحاكمة تجاوزت 79 تريليون دينار عراقي، في حين لم يُصرف منها سوى 33 تريليون دينار تقريباً، وذهب معظم هذا المبلغ إلى الرواتب فقط. أما ما تبقى، فتقول أربيل إن بغداد احتجزته من دون أن تمول مقابله نفقات تشغيلية أو استثمارية، بل أدرجت جزءاً كبيراً منه لاحقاً ضمن الديون المستحقة على الإقليم.
وتعتبر حكومة الإقليم أن هذا السلوك يكرّس فجوة دستورية ومالية، لأن المخصصات لا تتحول إلى سيولة فعلية في الوقت المناسب، بل تبقى رهينة قرارات مركزية أو تعديلات في آليات الصرف، وهو ما يضع استقرار المالية العامة في كردستان تحت ضغط دائم.
آلية «الإنفاق الفعلي» تحت الانتقاد
أحد أبرز مصادر الاعتراض الكردية يتعلق بما يُعرف بآلية «الإنفاق الفعلي»، وهي طريقة في احتساب الاستحقاقات المالية تعتمد على ما تنفقه الحكومة الاتحادية على الأرض، لا على ما خُصص نظرياً في الموازنة. ويقول منتقدو هذه الآلية إنها تجعل حصة الإقليم مرتبطة بسلوك إنفاق لا يملك السيطرة عليه، فإذا تراجع الصرف في محافظة أخرى أو تأخر مشروع اتحادي، انعكس ذلك مباشرة على الأموال المخصصة لأربيل.
ويرى التقرير الذي تستند إليه حكومة الإقليم أن هذه الصيغة لا توفر استقراراً مالياً، بل تحول التخصيصات الدستورية إلى أرقام نظرية يمكن أن تتآكل قبل وصولها إلى المستفيدين. كما أن تطبيقها بهذا الشكل، من وجهة نظر أربيل، يربك التخطيط المالي ويجعل الرواتب والخدمات الأساسية عرضة للتأجيل أو التخفيض.
ويضيف التقرير أن الإقليم يساهم سنوياً بمبالغ كبيرة في تمويل النفقات السيادية للدولة، إلى جانب حصة من خدمة الدين العام، بينما لا يحصل في المقابل إلا على جزء محدود من القروض أو التمويل الخارجي. وهذه المفارقة، وفق القراءة الكردية، تعكس خللاً هيكلياً في توزيع الأعباء والمنافع داخل النظام المالي العراقي.
النفط لا يزال جزءاً من معادلة أكبر
رغم أن النقاش الظاهر يدور حول موازنة وأرقام تحويلات، فإن الملف النفطي يبقى في صلب الأزمة. فإدارة حقول كردستان وتصدير الخام وتوزيع العائدات كلها مسائل مرتبطة مباشرة بالثقة المتبادلة بين الطرفين. وأي اهتزاز في ملف الموازنة ينعكس سريعاً على التفاهمات النفطية، لأن كل طرف ينظر إلى الآخر باعتباره مطالباً بتنفيذ التزاماته أولاً قبل المطالبة بالمزيد من التنازلات.
ويرى خبراء اقتصاديون في الإقليم أن الإصرار على استقطاع ثابت قد يقوّض التقدم الذي تحقق أخيراً في مسار النفط، خاصة إذا اعتُبر هذا الاستقطاع خارج الصيغة التي يفترض أن تحكم العلاقة المالية بين الحكومة الاتحادية والإقليم. ويشيرون إلى أن التفاهم الحقيقي لا يُبنى على حلول مؤقتة، بل على آليات قابلة للتدقيق والمراجعة بشكل دوري وشفاف.
كما يؤكد هؤلاء أن البيئة الاقتصادية الحالية في العراق، بما فيها تقلب التجارة وتراجع بعض الإيرادات غير النفطية، تجعل من الصعب تثبيت مبلغ شهري موحد دون مرونة. ومن هنا تأتي الدعوات إلى العودة للنص القانوني الأصلي، بحيث تُحسب الحصص على أساس الإيرادات الفعلية في نهاية كل فترة مالية، لا على تقديرات ثابتة قد لا تصمد أمام الواقع.
مخرج محتمل: التدقيق والشفافية
في المقابل، يطرح بعض المحللين مساراً وسطاً يقوم على التدقيق المشترك والإفصاح الكامل عن الحسابات الختامية للموازنة. فبدلاً من تبادل الاتهامات، يمكن للطرفين العمل على لجان فنية تحدد بدقة حجم الإيرادات الاتحادية المتحققة، وما يقابلها من التزامات دستورية، مع نشر بيانات سنوية مدققة تتيح مراجعة الأرقام من دون تأويلات سياسية.
هذا المسار، إذا كُتب له النجاح، قد يمنح العلاقة بين بغداد وأربيل قدراً من الاستقرار ويخفف من توظيف الملف المالي في النزاع السياسي. كما أنه يتيح صياغة تفاهمات أكثر استدامة حول النفط والرواتب والنفقات السيادية، بما يقلل احتمالات العودة إلى أزمات القطع أو التعليق أو الاتهامات المتبادلة.
لكن العقبة الرئيسية تبقى في غياب الثقة المتراكمة، وفي تداخل الملف المالي مع حسابات السلطة والنفوذ. لذلك يبدو أن أي حل لن يكون تقنياً فقط، بل سيحتاج إلى إرادة سياسية واضحة تضع الاقتصاد فوق السجالات، وتتعامل مع الموازنة بوصفها أداة استقرار لا وسيلة ضغط.
أزمة مرشحة للاستمرار ما لم تتغير القواعد
ما بين رقم ثابت تطالب به بغداد وآلية نسبية تدافع عنها أربيل، يستمر الخلاف حول الموازنة في تهديد ما تحقق من تفاهمات نفطية. ويبدو أن المشكلة لم تعد مرتبطة بفاتورة شهرية فقط، بل بتعريف أوسع للحقوق والواجبات داخل الدولة الاتحادية وكيفية توزيع الإيرادات بين المركز والإقليم.
وفي غياب تسوية قانونية واضحة، ستظل الأزمة قابلة للتجدد مع كل دورة موازنة، ومع كل تغير في أسعار النفط أو مستوى التحصيل الجمركي أو الإنفاق الحكومي. لذلك يراهن المراقبون على أن الحل الحقيقي لن يأتي من تثبيت الأرقام، بل من إعادة بناء القواعد التي تحددها منذ البداية.