07-Jul-2026 5 دقائق قراءة

سويسرا تخفض توقعات النمو لعام 2026 مع تصاعد ضغوط الطاقة والتضخم العالمي

خفضت الحكومة السويسرية تقديرات النمو للعامين 2026 و2027 مع تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد العالمي، بينما أبقى البنك الوطني السويسري توقعاته دون تغيير وسط مخاطر تباطؤ الطلب الخارجي وارتفاع البطالة.

خفض جديد لتوقعات النمو

عدلت الحكومة السويسرية تقديراتها للنمو الاقتصادي نزولاً لعام 2026، في خطوة تعكس القلق المتزايد من استمرار الضغوط على أسواق الطاقة وتأثيرها غير المباشر في النشاط العالمي. وبحسب التقديرات الجديدة، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد السويسري نمواً قدره 0.9 في المائة في 2026، مقارنة بتقدير سابق بلغ 1 في المائة. كما خُفّضت توقعات 2027 إلى 1.6 في المائة بدلاً من 1.7 في المائة.

وتبقى هذه الأرقام أقل من متوسط النمو طويل الأجل للاقتصاد السويسري، البالغ نحو 1.8 في المائة، ما يشير إلى أن البيئة الاقتصادية العالمية ما زالت بعيدة عن العودة إلى مستويات أداء أكثر قوة واستقراراً.

الطاقة والتضخم يضغطان على الاقتصاد العالمي

أرجعت أمانة الدولة للشؤون الاقتصادية هذا التعديل إلى ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن أزمة الشرق الأوسط، وما يترتب عليه من انعكاسات على التضخم في الاقتصادات الكبرى. وترى الأمانة أن موجة الغلاء المرتبطة بالطاقة قد تدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على نهج نقدي أكثر تشدداً، خصوصاً لدى الشركاء التجاريين الرئيسيين لسويسرا.

هذا التطور مهم بالنسبة لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية، إذ يمكن لأي تباطؤ لدى الشركاء التجاريين أن ينعكس على الطلب على الصادرات السويسرية، من السلع الصناعية إلى المنتجات عالية القيمة المضافة.

البنك الوطني السويسري يتمسك بتقديراته

في المقابل، أبقى البنك الوطني السويسري توقعاته للنمو دون تغيير تقريباً، عند نحو 1 في المائة لعام 2026 و1.5 في المائة لعام 2027. ويعكس هذا التباين بين التقديرات الحكومية وتوقعات البنك المركزي اختلافاً في قراءة سرعة تعافي الاقتصاد في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالطاقة والتجارة الدولية.

ويراقب صناع السياسة النقدية في سويسرا، كما في غيرها من الاقتصادات المتقدمة، أثر التشديد النقدي العالمي على تكلفة الاقتراض والاستثمار والإنفاق الاستهلاكي. ومع بقاء التضخم فوق مستويات الاستقرار المثالية في عدد من الاقتصادات الكبرى، تبدو فرص التيسير السريع محدودة في المدى القريب.

سيناريو إيجابي مرهون باستقرار أسواق الطاقة

رغم الصورة الحذرة، تشير التقديرات الرسمية إلى أن أي تحسن مستدام في أسواق الطاقة قد يخفف الضغوط على الاقتصاد السويسري. وترى الأمانة أن ترسخ اتفاق تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران قد يدعم هبوطاً أو استقراراً في أسعار النفط، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على التضخم العالمي وعلى تكاليف الإنتاج والنقل.

وفي السيناريو الإيجابي، قد يرتفع النمو السويسري إلى 1.1 في المائة هذا العام و2 في المائة في العام المقبل، وفق تقدير كبير الاقتصاديين رونالد إندرجاند. لكن هذا المسار يبقى مشروطاً باستمرار التحسن في أسواق الطاقة وعدم عودة الاضطرابات الجيوسياسية إلى قلب المشهد.

مخاوف من ضعف ثقة الشركات

على الجانب الآخر، حذر معهد «كوف» من تراجع ثقة الشركات خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً في قطاعي التصنيع والضيافة، مع توقعات بأن يتباطأ الطلب الخارجي. ويشكل هذا التطور عاملاً إضافياً قد يضغط على وتيرة التوظيف والاستثمار، خاصة إذا استمرت البيئة العالمية في التوتر.

وتأتي هذه المخاوف في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأوروبي والآسيوي والأميركي تحديات مختلفة، من تشدد السياسة النقدية إلى تباطؤ بعض الأسواق الاستهلاكية وارتفاع الكلفة التمويلية.

سويسرا أقل تأثراً بالتضخم من غيرها

رغم تلك الضغوط، ما زالت سويسرا تظهر قدرة أفضل على احتواء التضخم مقارنة بعدد من الاقتصادات المتقدمة. ويعود ذلك إلى ضعف اعتمادها النسبي على الطاقة ضمن سلة الاستهلاك، إضافة إلى قوة الفرنك السويسري الذي يحد من أثر ارتفاع أسعار الواردات.

هذا المزيج يمنح الاقتصاد السويسري قدراً من المرونة، لكنه لا يعفيه من آثار التباطؤ العالمي. فحتى الاقتصادات الأكثر استقراراً تتأثر عندما تتراجع التجارة الدولية، وتزداد كلفة التمويل، ويصبح المستهلكون أكثر حذراً في الإنفاق.

البطالة ترتفع تدريجياً

كما رفعت التقديرات الرسمية معدل البطالة المتوقع إلى 3.1 في المائة هذا العام، مقارنة بـ3 في المائة سابقاً، وإلى 3 في المائة في 2027 بدلاً من 2.8 في المائة. ورغم أن هذه المستويات لا تزال منخفضة نسبياً، فإن اتجاهها التصاعدي يعكس بداية تأثير أوسع لتباطؤ النمو على سوق العمل.

ومع أن سوق العمل السويسري يبقى أكثر تماسكاً من العديد من الأسواق الأوروبية، فإن استمرار الضغوط على الصناعة والخدمات المرتبطة بالسياحة قد يحد من قدرة الاقتصاد على الحفاظ على وتيرة توظيف قوية.

قراءة أوسع للمرحلة المقبلة

تشير المستجدات إلى أن الاقتصاد السويسري يدخل مرحلة تتسم بالحذر أكثر من الزخم، مع مزيج من نمو ضعيف نسبياً، وتضخم خارجي مستورد، وتوقعات متباينة بشأن مسار أسواق الطاقة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المرونة المالية والنقدية، إلى جانب قوة العملة واستقرار المؤسسات، عناصر حاسمة في حماية الاقتصاد من الصدمات.

وبينما تراهن برن على تحسن تدريجي في الطاقة والتجارة خلال الأشهر المقبلة، يبقى المسار الفعلي للنمو مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات الشرق الأوسط، واتجاهات الطلب العالمي، وخيارات البنوك المركزية الكبرى في مواجهة التضخم.