09-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تباطؤ انكماش قطاع الخدمات في منطقة اليورو مع تراجع ضغوط التكاليف إلى أدنى مستوياتها منذ 1998

أظهر مسح جديد أن قطاع الخدمات في منطقة اليورو واصل الانكماش في يونيو، لكن بوتيرة أبطأ، بالتزامن مع هبوط حاد في ضغوط التكاليف وتحسن التوظيف والتوقعات، ما عزز مؤشرات استقرار الاقتصاد الأوروبي بعد شهرين من التراجع.

أظهرت بيانات مسح اقتصادي حديث أن قطاع الخدمات في منطقة اليورو ظل في منطقة الانكماش خلال يونيو، لكن وتيرة التراجع جاءت أبطأ بكثير من الشهر السابق، في إشارة إلى تحسن نسبي في النشاط مع تراجع واضح في ضغوط التكاليف. وجاء ذلك في وقت بدأت فيه مؤشرات التضخم تهدأ، ما منح الأسواق والمراقبين سبباً إضافياً للاعتقاد بأن الاقتصاد الأوروبي يقترب من مرحلة أكثر استقراراً بعد شهرين من الضعف.

وبحسب القراءة النهائية لمؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات الصادر عن «ستاندرد آند بورز غلوبال»، ارتفع المؤشر إلى 49.4 نقطة في يونيو، مقارنة بـ47.7 نقطة في مايو، متجاوزاً القراءة الأولية التي أشارت إلى 48.9 نقطة. وبما أن مستوى 50 نقطة يفصل بين النمو والانكماش، فإن القطاع لا يزال أقل من عتبة التوسع، لكنه اقترب منها أكثر من أي وقت خلال الأشهر الأخيرة.

تراجع أقل حدة في النشاط رغم استمرار ضعف الطلب

التحسن في القراءة النهائية يعكس تباطؤاً في وتيرة الهبوط، وليس عودة كاملة إلى النمو. فطلب المستهلكين والشركات ما زال ضعيفاً، كما واصلت الطلبات الخارجية الانخفاض للشهر الثاني على التوالي، وإن بوتيرة أقل من مايو. ومع ذلك، فإن انخفاض الضغط على الأسعار وتخفف بعض القيود المرتبطة بالطاقة والتكاليف التشغيلية ساعدا على تخفيف حدة التراجع في النشاط العام.

ويشير هذا الأداء إلى أن قطاع الخدمات، وهو المكوّن الأكبر في اقتصادات المنطقة، لم يعد يضغط على النمو بالدرجة نفسها التي شهدها في الأشهر السابقة. كما أن تحسن المؤشر المركب لمنطقة اليورو إلى 50 نقطة، مقارنة بـ48.5 نقطة في مايو، يعكس خروج الاقتصاد الكلي من الانكماش للمرة الأولى منذ مارس، مدعوماً بتحسن قطاع التصنيع.

أسرع تراجع في ضغوط التكاليف منذ عقود خارج الجائحة

من أبرز ما أظهره المسح الانخفاض الحاد في ضغوط التكاليف، إذ تباطأ تضخم أسعار المدخلات بأسرع وتيرة خارج فترات الإغلاق المرتبطة بجائحة «كوفيد-19». كما تراجعت أسعار البيع ولكن بوتيرة أبطأ، ما يعني أن الشركات باتت تواجه بيئة أقل سخونة من ناحية النفقات، وإن كانت ما تزال حذرة في تمرير أي زيادات للمستهلكين.

وفي تطور مهم لصناع السياسات النقدية، انخفض تضخم تكاليف المدخلات في قطاع الخدمات للمرة الأولى منذ أكتوبر، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أربعة أشهر. ووفقاً للبيانات التاريخية المتاحة، فإن وتيرة التراجع هذه هي الأسرع منذ بدء تسجيل السلاسل الإحصائية في 1998، باستثناء فترة الجائحة. وهذا يمنح البنك المركزي الأوروبي إشارة إضافية إلى أن الضغوط السعرية في قطاع الخدمات، التي ظل يراقبها عن كثب، بدأت تهدأ بوضوح.

كما أظهرت البيانات الرسمية أن معدل التضخم العام في منطقة اليورو جاء أقل من التوقعات عند 2.8 في المائة في الشهر الماضي، رغم بقائه أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة. هذا الفارق بين التراجع النسبي في الأسعار وبين بلوغ الهدف النهائي يفسر سبب استمرار الحذر في السياسة النقدية، حتى مع تحسن بعض المؤشرات التشغيلية.

التوظيف يتحسن والتوقعات ترتفع إلى أعلى مستوى منذ فبراير

رغم استمرار ضعف الطلب، سجل قطاع الخدمات مفاجأة إيجابية على صعيد العمالة. فقد ارتفع التوظيف بأسرع وتيرة منذ يناير، بعد أن كان قد انخفض بشكل طفيف في الشهر السابق. ويعني ذلك أن الشركات، على الأقل في المرحلة الحالية، لم تلجأ إلى تقليص الوظائف على نطاق واسع، بل فضلت الحفاظ على الطاقة البشرية تحسباً لتحسن لاحق في الطلب.

كما تحسنت توقعات الشركات العاملة في القطاع إلى أعلى مستوى منذ فبراير، وهو مؤشر مهم على أن الإدارة العليا في الشركات ترى أن الأسوأ ربما يكون قد مر. وتكتسب هذه الإشارات أهمية خاصة لأنها تأتي بعد فترة من القلق بشأن الاستهلاك الخاص وارتفاع تكاليف الاقتراض وتباطؤ الزخم الاقتصادي في أكبر اقتصادات المنطقة.

وقال محللون في «ستاندرد آند بورز ماركتس إنتلجنس» إن انحسار التراجع في نشاط الخدمات يعد تطوراً إيجابياً، خصوصاً مع نمو قطاع التصنيع، لأنه يشير إلى أن الاقتصاد الأوروبي ككل بدأ يجد أرضية أكثر تماسكاً بعد شهرين من الانكماش. كما لفتوا إلى أن أحد العوامل التي كبحت النشاط منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط كان ضعف الطلب الاستهلاكي المرتبط بارتفاع أسعار الطاقة، إلا أن هذا الضغط بدأ يتراجع خلال يونيو.

ألمانيا: تباطؤ الانكماش رغم استمرار الضغوط على الطلب

في ألمانيا، أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، أظهر مسح منفصل أن قطاع الخدمات لا يزال يعاني من الانكماش، لكنه تباطأ أيضاً خلال يونيو. وارتفع مؤشر مديري المشتريات النهائي للقطاع إلى 48.6 نقطة من 48.1 نقطة في مايو، متجاوزاً القراءة الأولية التي كانت أضعف بكثير، لكنه بقي دون مستوى النمو.

وتوضح البيانات أن الطلبات الجديدة تراجعت للشهر الرابع على التوالي، وبوتيرة أسرع من الشهر السابق، نتيجة ضعف الثقة وتشديد الأوضاع المالية وتراجع الطلب الخارجي. كما انخفضت الأعمال المتراكمة بأسرع وتيرة منذ أغسطس الماضي، ما يعكس استمرار الضغوط على الشركات المقدمة للخدمات.

وفي الوقت نفسه، انخفض التوظيف للشهر السادس على التوالي، وإن كانت وتيرة التراجع هي الأبطأ خلال هذه الفترة. ويعني ذلك أن الشركات الألمانية لا تزال حذرة في التوظيف، لكنها لم تدخل بعد في موجة تسريح واسعة، وهو ما قد يخفف من حدة الأثر الاجتماعي للانكماش الحالي.

وبحسب محللين في «ستاندرد آند بورز ماركتس إنتلجنس»، فإن القطاع ما زال يتأثر بالظروف الاقتصادية الصعبة المرتبطة بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط والضغط على الطلب. ومع ذلك، فإن التراجع الحاد في تضخم تكاليف المدخلات، بدعم من انخفاض أسعار الوقود، قد يحد من ضغوط الأسعار خلال الأشهر المقبلة.

فرنسا تسجل انكماشاً أعمق من التقديرات الأولية

أما في فرنسا، فقد أظهر المسح أن قطاع الخدمات انكمش بوتيرة أكبر من التقديرات الأولية خلال يونيو. وارتفع المؤشر النهائي للقطاع إلى 46.8 نقطة من 44.3 نقطة في مايو، لكنه جاء دون القراءة الأولية البالغة 47.4 نقطة، ما يشير إلى أن التعافي كان أبطأ من المتوقع.

كما ارتفع المؤشر المركب الفرنسي إلى 47.2 نقطة من 44.9 نقطة، لكنه بقي أيضاً دون التقدير الأولي. ويعكس ذلك أن ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو ما زال يواجه مزيجاً صعباً من ضعف الطلب، وتراجع ثقة الأعمال، واستمرار الضغوط التضخمية، وهي عوامل تحد من سرعة أي انتعاش محتمل.

وقال محللون إن نتائج يونيو كانت أفضل من السيناريوهات الأكثر تشاؤماً، لكنها لا تزال لا تشير إلى خروج واضح من حالة الضعف التي ظهرت بوضوح في بيانات مايو وتعديلات الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول. وبذلك، تبقى فرنسا نقطة ضعف نسبي في مشهد الخدمات الأوروبي، مقارنة ببعض الإشارات الأكثر توازناً في بقية دول المنطقة.

ماذا تعني هذه البيانات للبنك المركزي الأوروبي؟

تأتي هذه التطورات في توقيت حساس بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، الذي رفع أسعار الفائدة الشهر الماضي للمرة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات. ومن شأن التراجع الحاد في ضغوط التكاليف وتباطؤ التضخم في قطاع الخدمات أن يخففا بعض الضغط على صانعي السياسة، لكنهما لا يلغيان الحاجة إلى متابعة دقيقة لمسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة.

فالبنك يركز حالياً على ما إذا كان التضخم يواصل التراجع بوتيرة تكفي لإعادته إلى 2 في المائة في الوقت المناسب، دون أن يؤدي التشديد النقدي إلى خنق النشاط الاقتصادي أكثر من اللازم. ومع تحسن المؤشر المركب إلى مستوى 50 نقطة وعودة بعض مؤشرات الثقة إلى الارتفاع، يبدو أن الاقتصاد الأوروبي يدخل مرحلة أقل توتراً، وإن كانت ما تزال هشة.

وبين ضعف الطلب، وتراجع ضغوط التكاليف، وتحسن طفيف في التوظيف، ترسم بيانات يونيو صورة مختلطة لكنها أكثر توازناً من الأشهر السابقة. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد يجد الاقتصاد في منطقة اليورو قدراً أكبر من الاستقرار في النصف الثاني من العام، خصوصاً إذا واصل التضخم التراجع وظلت أسعار الطاقة أقل تقلباً.