10-Jul-2026 5 دقائق قراءة

اليابان تقترح خفضاً مؤقتاً لضريبة الغذاء وسط ضغوط مالية وتداعيات التجارة والطاقة

تدرس اليابان خفض ضريبة استهلاك المواد الغذائية إلى 1 في المائة لمدة عامين في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تخفيف أعباء المعيشة، لكنها تثير مخاوف واسعة بشأن كلفة التمويل وتراجع الإيرادات العامة.

مقترح ضريبي غير مسبوق

تتحرك اليابان نحو تعديل استثنائي في نظامها الضريبي عبر بحث خفض مؤقت لضريبة استهلاك المواد الغذائية إلى 1 في المائة، وهو مستوى لم تختبره البلاد من قبل بعد سنوات طويلة من الاعتماد على هذه الضريبة بوصفها أحد أعمدة تمويل الدولة. ويأتي المقترح في وقت تتعرض فيه الأسر لضغوط معيشية متزايدة، بينما تواجه الحكومة في المقابل أسئلة صعبة حول كلفة القرار وكيفية تعويض الإيرادات المفقودة.

وبحسب الطرح الذي نوقش داخل أحد الأطر الحكومية الأساسية، فإن الخفض المقترح سيطبق على المواد الغذائية لمدة عامين بدءاً من أبريل من العام المقبل، على أن يكون ذلك حلاً انتقالياً إلى حين إنشاء نظام ائتمان ضريبي قابل للاسترداد. كما يفترض أن يترافق الإجراء مع تحويلات نقدية موجهة إلى الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بحيث يقترب العبء الضريبي الصافي من الصفر بالنسبة للفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار.

تحول في سياسة ضريبية استمرت عقوداً

تمثل هذه الخطوة تحوّلاً لافتاً في مسار ضريبة الاستهلاك اليابانية التي بدأت بنسبة 3 في المائة عام 1989، ثم ارتفعت تدريجياً إلى 10 في المائة، مع إبقاء نسبة مخفضة تبلغ 8 في المائة على السلع الغذائية منذ 2019. وخلال هذه الفترة، أصبحت الضريبة جزءاً محورياً من تمويل الرعاية الاجتماعية والإنفاق العام، ما جعل أي مساس بها محل حساسية شديدة داخل الأوساط الاقتصادية والمالية.

الأهمية السياسية للمقترح لا تقل عن أهميته المالية، إذ تواجه رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي ضغوطاً للوفاء بوعد انتخابي سابق تعهدت فيه بتبني ضريبة صفرية على الغذاء تخفيفاً لتكاليف المعيشة. غير أن الحكومة ما زالت تتجنب، بحسب تصريحاتها، اللجوء إلى إصدار سندات إضافية لتمويل العجز، من دون أن تقدم حتى الآن بديلاً مالياً واضحاً لتغطية النقص المتوقع في الإيرادات.

مخاوف من فجوة مالية كبيرة

التكلفة المحتملة للخطة تضعها في قلب الجدل المالي. وتشير تقديرات معهد دايوا للأبحاث إلى أن خفض ضريبة مبيعات المواد الغذائية إلى 1 في المائة قد يقلص الإيرادات بنحو 4.4 تريليون ين من ميزانية سنوية تقارب 125 تريليون ين. وفي المقابل، لا يتوقع أن يضيف هذا الإجراء إلى الناتج المحلي الإجمالي سوى نحو 0.3 تريليون ين، ما يعني أن الأثر التحفيزي المباشر سيكون محدوداً مقارنة بحجم العبء على الخزانة العامة.

هذا الاختلال بين الكلفة والفائدة يعكس معضلة أوسع في اليابان، حيث تزداد الحاجة إلى حماية الاستهلاك المحلي والأسر ذات الدخل المحدود، بينما تبقى الدولة ملتزمة تقليدياً بضبط الدين العام وتجنب إجراءات قد تفتح باباً أوسع لتمويل العجز. ومن هنا، ينظر كثير من المراقبين إلى المقترح باعتباره اختباراً مبكراً لمدى قدرة الحكومة على الموازنة بين الإنفاق الاجتماعي والانضباط المالي.

الين يتأثر والاسواق تراقب

لم تبقِ الأسواق اليابانية هذه التطورات خارج حساباتها. فالين يواجه صعوبات في تحقيق مكاسب ملموسة، حتى بعد رفع بنك اليابان أسعار الفائدة هذا الأسبوع، إذ يخشى المستثمرون من أن يؤدي التوسع المالي أو التساهل في السياسة الضريبية إلى تقويض أثر التشديد النقدي. وبالنسبة للأسواق، فإن الجمع بين سياسة نقدية أكثر تشدداً وسياسة مالية أقل انضباطاً قد يخلق رسائل متناقضة بشأن المسار الاقتصادي العام.

في هذا السياق، تبدو العملة اليابانية حساسة لأي إشارة جديدة تتعلق بالعجز أو التمويل، خصوصاً مع استمرار مراقبة الفارق بين توجهات الحكومة وتوجهات البنك المركزي. وكلما زادت الشكوك بشأن مصدر تمويل الخفض الضريبي، زادت احتمالات تعرض الين لضغط إضافي من المستثمرين الباحثين عن اليقين.

الصادرات تدعم الاقتصاد لكن لا تلغي التحديات

في موازاة النقاش الضريبي، أظهرت البيانات التجارية أن الصادرات اليابانية واصلت نموها للشهر التاسع على التوالي في مايو، مستفيدة من ضعف الين وارتفاع أسعار السلع الأساسية والطلب القوي على أشباه الموصلات. وارتفعت قيمة الصادرات 17 في المائة على أساس سنوي، متجاوزة التوقعات، رغم أن الزيادة في الحجم كانت هامشية، ما يعني أن جزءاً كبيراً من النمو جاء من أثر الأسعار لا من توسع فعلي في الكميات.

وساهمت مكونات إلكترونية ورقائق ذاكرة ومعادن غير حديدية في دعم الأداء التصديري، مدفوعة بارتفاع الطلب العالمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. كما سجلت الصادرات إلى الولايات المتحدة والصين زيادات ملحوظة، ما يبرز أن قطاع التكنولوجيا لا يزال من المحركات الأساسية للتجارة اليابانية حتى في ظل الاضطرابات الجيوسياسية.

الطاقة وعجز التجارة يزيدان الصورة تعقيداً

على الجانب الآخر، ارتفعت الواردات اليابانية 12.5 في المائة في مايو، مع بقاء فاتورة الطاقة تحت ضغط مرتفع. وتراجعت واردات النفط الخام من الشرق الأوسط بشدة، بينما صعدت الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة، في محاولة من طوكيو لتخفيف أثر الاضطرابات في سلاسل الإمداد. ومع ذلك، لم تنجح هذه الجهود في إزالة الضغوط بالكامل، خصوصاً بعد ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات دفعت قيمة الواردات إلى مزيد من الزيادة.

وأظهرت البيانات أن اليابان سجلت عجزاً تجارياً بلغ 378.7 مليار ين في مايو، وهو أقل من تقديرات السوق لكنه يؤكد استمرار التحديات المرتبطة بالاعتماد على الطاقة المستوردة. كما ارتفعت طلبات الآلات الأساسية 8.7 في المائة في أبريل، في إشارة إلى أن الشركات بدأت توسيع استثماراتها، إلا أن هذا التحسن لا يزال بحاجة إلى وقت كي يظهر أثره الكامل على النشاط الاقتصادي.

تداخل السياسة المالية مع دورة الاقتصاد العالمي

تكشف هذه التطورات مجتمعة عن اقتصاد ياباني يحاول التوفيق بين عدة ضغوط متزامنة: حماية المستهلك من ارتفاع الأسعار، الحفاظ على قدرة الدولة التمويلية، دعم العملة المحلية، والاستفادة من زخم الصادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. وفي حين قد يمنح خفض ضريبة الغذاء متنفساً للأسر على المدى القصير، فإن أثره على المالية العامة وسوق الصرف يبقى مصدر قلق حقيقي.

وتبدو اليابان، في هذه المرحلة، أمام معادلة معقدة لا تقتصر على السياسة الضريبية وحدها، بل تشمل أيضاً اتجاهات التجارة العالمية وأسعار الطاقة وديناميات التكنولوجيا الجديدة. لذلك، فإن أي قرار نهائي بشأن ضريبة الاستهلاك لن يكون مجرد تدبير داخلي، بل جزءاً من إعادة ضبط أوسع لمسار الاقتصاد الياباني في بيئة عالمية شديدة التقلب.