بحثت بغداد وأنقرة خلال لقاء رسمي سبل توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، في وقت تبرز فيه ملفات البنية التحتية والطاقة والزراعة باعتبارها محاور رئيسية للشراكة المقبلة. ويأتي هذا التحرك في سياق رغبة متبادلة في تحويل العلاقات السياسية والجغرافية بين الجانبين إلى مشاريع عملية ذات أثر مباشر على النمو والتجارة.
وخلال الاستقبال، شدد الجانب العراقي على أن الروابط التاريخية والموقع الجغرافي والمصالح المشتركة تمنح العلاقة مع تركيا قاعدة صلبة للتوسع في أكثر من قطاع. كما أشار إلى وجود مساحة واسعة لتعزيز التعاون بما يتجاوز التبادل التقليدي، وصولاً إلى شراكات أكثر عمقاً في الاستثمار والتنمية.
صندوق استثماري مشترك لدعم المشاريع
من أبرز ما طُرح خلال المحادثات خطة الحكومة العراقية لإنشاء صندوق مشترك عراقي-تركي يهدف إلى تمويل المشاريع الاستثمارية والتنموية. ويُنتظر أن يساهم هذا الصندوق في تسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وتوفير آلية مالية أكثر مرونة لتمكين الشركات من دخول السوق العراقية ضمن أطر منظمة وواضحة.
وتحمل فكرة الصندوق أهمية خاصة في المرحلة الحالية، لأنها تتيح ربط التمويل بالتنفيذ المباشر، وتفتح المجال أمام مشاريع في النقل والطاقة والخدمات والإنتاج الغذائي. كما أنها تعكس توجهاً نحو بناء أدوات تعاون مؤسسية بدل الاكتفاء بالتفاهمات العامة أو الوعود السياسية.
ويرى مراقبون أن مثل هذه الآليات قد تساعد العراق في جذب استثمارات نوعية، خصوصاً إذا اقترنت بإجراءات تسهّل الدخول إلى السوق وتقلل التعقيدات الإدارية، إلى جانب توفير ضمانات أكبر للمستثمرين الأتراك الراغبين في توسيع حضورهم.
الزراعة أولوية في التعاون الاقتصادي
دعا الجانب العراقي الشركات التركية إلى زيادة استثماراتها في القطاع الزراعي، مؤكداً أن هذا القطاع يملك فرصاً واعدة في البلاد. وتعمل الحكومة العراقية، وفق ما جرى طرحه في اللقاء، على تطوير الإنتاج الزراعي، وتنمية الثروة الحيوانية، وتعزيز سلاسل الإنتاج، بما يدعم الأمن الغذائي ويقلل الاعتماد على الاستيراد.
وتعتمد هذه الرؤية على أن الاستثمار الزراعي لا يقتصر على الزراعة التقليدية، بل يمتد إلى مجالات التصنيع الغذائي، والتخزين، والنقل المبرد، والخدمات اللوجستية المرتبطة بالأسواق المحلية والإقليمية. كما أن تحسين البيئة الاستثمارية، وتقديم التسهيلات اللازمة، يشكلان عنصرين حاسمين لجذب رؤوس الأموال إلى هذا القطاع.
وتنفتح هذه الفرص أيضاً على استخدامات التكنولوجيا الزراعية الحديثة، مثل أنظمة الري الذكية وإدارة الموارد المائية وتحسين سلاسل التوريد، وهي عناصر يمكن أن تعزز الإنتاجية وتدفع نحو شراكات أكثر استدامة بين الشركات العراقية والتركية.
أنقرة تضع طريق التنمية في صدارة الاهتمام
نقل الوزير التركي تحيات الرئيس رجب طيب أردوغان إلى رئيس الوزراء العراقي، مؤكداً رغبة بلاده في تطوير العلاقات مع العراق باعتباره بلداً محورياً في المنطقة. كما أوضح أن مشروع طريق التنمية يحظى باهتمام كبير لدى أنقرة، نظراً لما يمكن أن يضيفه من قيمة اقتصادية واستراتيجية على مستوى الإقليم.
ويُنظر إلى هذا المشروع بوصفه أحد أكثر الملفات القادرة على إعادة تشكيل حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، إذا ما اكتمل تنفيذه وفق المخطط المعلن. ويمتد المشروع داخل العراق لمسافة تتجاوز 1200 كيلومتر، عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة التي تربط الجنوب العراقي بالحدود التركية.
ويبدأ المسار من ميناء الفاو الكبير في البصرة، ثم يمر بعدد من المدن العراقية الرئيسية وصولاً إلى نقطة الربط مع الشبكة التركية. وبفضل هذا الامتداد، يمكن للمشروع أن يتحول إلى ممر لوجستي دولي يختصر زمن نقل البضائع ويخفف الكلفة مقارنة بالمسارات البحرية التقليدية.
فرص في الطاقة والربط الإقليمي
أبدت تركيا استعدادها لإقامة شراكات استراتيجية مع العراق في قطاعات النفط والغاز والطاقة الكهربائية والربط الإقليمي. وتكتسب هذه القطاعات أهمية مضاعفة لأنها ترتبط مباشرة بتأمين احتياجات السوق المحلية، وتطوير البنية التحتية، وفتح مجالات أوسع للتكامل الاقتصادي بين البلدين.
وفي قطاع الطاقة على وجه الخصوص، تبدو الفرص مرتبطة بقدرة الجانبين على الانتقال من التعاون المحدود إلى مشاريع أكثر اتساعاً تشمل الإنتاج والنقل والتبادل الكهربائي. كما أن الارتباط بالممرات الإقليمية قد يمنح العراق وتركيا موقعاً أكبر في خريطة التجارة والطاقة العابرة للحدود.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه بغداد إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية، بينما تبحث أنقرة عن توسيع حضورها في أسواق مجاورة ذات أهمية استراتيجية، وهو ما يجعل المصالح متقاطعة في أكثر من ملف.
الشراكة المقبلة بين التمويل والتجارة والبنية التحتية
المؤشرات الصادرة عن المحادثات توحي بأن العلاقة الاقتصادية بين العراق وتركيا تتجه نحو مرحلة أكثر عملية، تقوم على الربط بين التمويل والاستثمار والبنية التحتية. فالصندوق المشترك المقترح يمكن أن يوفر التمويل، فيما يمنح طريق التنمية الإطار اللوجستي، بينما تظل الطاقة والزراعة قطاعات قابلة لتحقيق عوائد سريعة ومتوسطة الأجل.
وفي حال نجاح هذه المسارات، قد تتحول الشراكة الثنائية إلى نموذج إقليمي يجمع بين الممرات التجارية والاستثمار القطاعي والمشاريع الإنتاجية. كما أن هذا التوجه قد يساعد العراق في دعم خططه التنموية، ويمنح تركيا منفذاً إضافياً إلى أسواق أوسع عبر الأراضي العراقية.
وبينما ما تزال التفاصيل التنفيذية بحاجة إلى بلورة، فإن وضع هذه الملفات على طاولة واحدة يعكس انتقالاً واضحاً من خطاب التعاون العام إلى البحث عن أدوات اقتصادية محددة، وهو ما يمنح المباحثات الحالية ثقلاً يتجاوز البعد البروتوكولي المعتاد.