هبوط حاد في الأسعار وسط اضطراب جيوسياسي
تراجعت أسعار الذهب بقوة في تعاملات الأربعاء، لتسجل أدنى مستوى لها منذ أكثر من شهرين، في تحرك يعكس تغيراً واضحاً في مزاج المستثمرين تجاه المعدن الأصفر. وجاء الانخفاض بعد تجدد المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو تطور زاد من الضغوط على الأسواق العالمية وأعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بارتفاع التضخم وتشدد السياسة النقدية الأميركية.
وانخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 2.7% ليصل إلى 4148.86 دولار للأوقية عند الساعة 11:59 بتوقيت غرينتش، وهو أدنى مستوى منذ 23 مارس. كما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بالنسبة نفسها تقريباً إلى 4169.90 دولار للأوقية، في إشارة إلى اتساع موجة البيع في سوق المعادن النفيسة.
التضخم والفائدة يضغطان على جاذبية المعدن الأصفر
رغم أن الذهب يُعد تقليدياً من أبرز أدوات التحوط في أوقات الاضطراب، فإن سياق السوق الحالي أضعف هذا الدور نسبياً. فالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، على الرغم من أنه يدفع عادة المستثمرين إلى الأصول الآمنة، رافقه في هذه الحالة ارتفاع حاد في المخاوف من موجة تضخمية جديدة قد تدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى الإبقاء على سياسة نقدية متشددة لفترة أطول.
هذا التداخل بين المخاطر الجيوسياسية وتوقعات الفائدة عزز الضغوط على الذهب، لأن المعدن لا يدر عائداً، ما يجعله أقل جاذبية عندما ترتفع تكاليف الاقتراض أو تتزايد العوائد على الأصول الأخرى. وبحسب متعاملين، فإن تركيز السوق لم يعد منصباً فقط على كونه ملاذاً آمناً، بل أيضاً على كلفته البديلة في بيئة أسعار فائدة مرتفعة.
مخاوف من انتقال التوتر إلى التضخم العالمي
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الأسواق لا تتعامل مع المواجهة بين واشنطن وطهران باعتبارها حدثاً سياسياً وأمنياً فحسب، بل باعتبارها عاملاً مؤثراً في مسار الأسعار العالمية. فاضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة المحتملان يفتحان الباب أمام ضغوط تضخمية أوسع، وهو ما ينعكس مباشرة على توقعات المستثمرين بشأن مسار الفائدة في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الكبرى.
وجاءت الضغوط على الأسواق بعد إعلان «الحرس الثوري» الإيراني تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد عسكرية أميركية في الأردن والكويت والبحرين، رداً على ضربات أميركية استهدفت مواقع إيرانية قرب مضيق هرمز. ويُنظر إلى هذا التصعيد باعتباره أحد أكبر المواجهات بين الطرفين منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أبريل الماضي.
كما أن استمرار التوتر في منطقة ترتبط مباشرة بأمن الطاقة العالمي يزيد احتمال ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، ما قد ينعكس لاحقاً على أسعار السلع والخدمات. وفي هذا السياق، لم يعد الذهب مستفيداً بالكامل من أجواء القلق، لأن أي صعود محتمل للتضخم قد يفرض على البنوك المركزية مواصلة التشديد بدلاً من التيسير.
رهانات متزايدة على رفع الفائدة الأميركية
المعطيات المتداولة في الأسواق تظهر أن المتعاملين باتوا أكثر اقتناعاً بإمكانية رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال الأشهر المقبلة. ووفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، يقدّر المستثمرون احتمالاً بنحو 70% لقيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة في ديسمبر المقبل.
وتحظى بيانات التضخم الأميركية بأهمية خاصة في هذا التوقيت، إذ من المنتظر صدور مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مايو في وقت لاحق من الأربعاء، تليه بيانات أسعار المنتجين يوم الخميس. وستوفر هذه الأرقام إشارات أوضح بشأن مدى قوة الضغوط السعرية، ومدى استعداد البنك المركزي الأميركي للإبقاء على موقفه المتشدد خلال النصف الثاني من العام.
ويرى محللون أن أي قراءة أعلى من المتوقع للتضخم قد تمنح الدولار دعماً إضافياً، وتزيد في المقابل الضغط على الذهب، الذي يتحرك غالباً في اتجاه معاكس مع توقعات العوائد الحقيقية. أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً واضحاً في الأسعار، فقد يجد المعدن فرصة لالتقاط الأنفاس، ولو مؤقتاً.
إشارات فنية سلبية تعزز موجة الهبوط
إلى جانب العوامل الأساسية، تلقى الذهب ضربة من الناحية الفنية بعد هبوطه دون متوسطه المتحرك لمدة 200 يوم، وهو مستوى يُنظر إليه عادة كأحد المؤشرات المهمة في قراءة الاتجاهات طويلة الأجل. ويعتبر محللون هذا الاختراق السلبي إشارة قد تفتح المجال أمام المزيد من التراجعات إذا استمرت الضغوط الحالية.
وقال لوكمان أوتونوجا، كبير محللي الأبحاث لدى «إف إكس تي إم»، إن الذهب ما زال يتأثر بارتفاع مخاطر التضخم، حتى مع وجود حالة عزوف عن المخاطرة في الأسواق بسبب التطورات الجيوسياسية. وأضاف أن تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أضر بالمساعي الرامية إلى إنهاء الحرب، لكنه لم يمنح الذهب دفعة مستدامة، لأن الأسواق باتت تركز أكثر على تداعيات التضخم والفائدة.
وبهذا المعنى، تبدو حركة الذهب الحالية انعكاساً لمعادلة معقدة: فكلما ارتفع مستوى التوتر الجيوسياسي، زادت أيضاً احتمالات صعود النفط والتضخم، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية، الأمر الذي يحد من المكاسب التقليدية للمعدن الأصفر.
تراجع أوسع في المعادن النفيسة الأخرى
لم يقتصر الضغط على الذهب وحده، بل امتد إلى جزء من سوق المعادن النفيسة الأخرى. فقد هبطت الفضة بنسبة 2.4% إلى 63.8 دولار للأوقية، كما تراجع البلاتين بنسبة 3.9% إلى 1659.18 دولار، في حين ارتفع البلاديوم بشكل طفيف 0.4% إلى 1227.25 دولار للأوقية.
وتعكس هذه التحركات حالة التباين التي تشهدها الأسواق، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع التوقعات الاقتصادية والنقدية في تشكيل اتجاهات الأسعار. وفي الوقت الراهن، يبدو أن كفة العوائد المتوقعة من التشدد النقدي ما زالت ترجح على جاذبية الملاذات التقليدية، بما في ذلك الذهب.
ومع ترقب صدور بيانات التضخم الأميركية واستمرار التوتر في الشرق الأوسط، قد يبقى المعدن النفيس عرضة لتحركات حادة في المدى القصير. لكن المسار اللاحق سيظل مرهوناً بقدرة الأسواق على الفصل بين الخوف من التصعيد العسكري والخشية من التضخم، وهي معادلة يبدو أنها ستواصل التأثير في سلوك المستثمرين خلال الأسابيع المقبلة.