أعلنت كوريا الجنوبية خطة صناعية واسعة النطاق تستهدف إعادة رسم خريطة صناعة أشباه الموصلات داخل البلاد، عبر تحويل المنطقة الجنوبية الغربية إلى مركز إنتاج رئيسي جديد يوازي المجمع الحالي في منطقة سيئول الكبرى. وتأتي الخطوة في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية على الرقائق الإلكترونية، بينما تبحث الدول الصناعية عن توسيع قدراتها المحلية وتقليل الاعتماد على نطاق جغرافي واحد للإنتاج.
وكشف وزير الصناعة كيم جونغ كوان، خلال اجتماع حكومي، أن الخطة تعتمد على استثمارات من الشركات تصل إلى 800 تريليون وون، أي ما يعادل نحو 517.9 مليار دولار، وهو مستوى تمويلي يعكس حجم الرهان الذي تضعه سيول على هذا القطاع. ووفق ما أعلنه الوزير، فإن هذه الاستثمارات ستفضي إلى إنشاء أربع منشآت جديدة لتصنيع رقائق الذاكرة، بما يعزز الطاقة الإنتاجية الوطنية في أحد أكثر فروع التكنولوجيا حساسية واستراتيجية.
وتُعد صناعة الذاكرة من المجالات التي تمنح كوريا الجنوبية حضوراً عالمياً قوياً، غير أن توسع الطلب وتزايد تعقيد سلاسل الإمداد دفعا الحكومة إلى التفكير في نموذج أكثر اتساعاً وتوزعاً. وأوضح الوزير أن الاعتماد على قاعدة إنتاج واحدة في منطقة سيئول الكبرى لم يعد كافياً لتلبية الحاجة المتنامية، مشيراً إلى أن قيود الطاقة والمياه تجعل التوسع داخل البنية الحالية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
توزيع جديد لسلسلة القيمة في أشباه الموصلات
لا تقتصر الخطة على زيادة عدد المصانع، بل تشمل إعادة توزيع أدوار مناطق مختلفة من البلاد داخل سلسلة قيمة أشباه الموصلات. فبينما ستتحول المنطقة الجنوبية الغربية إلى قاعدة إنتاج رئيسية، ستُطوَّر منطقة تشونغتشيونغ لتصبح مركزاً متقدماً لتغليف الرقائق، عبر استثمارات تقدر بنحو 81 تريليون وون. ويأتي هذا التوجه استجابة للنمو السريع في الطلب على خدمات التغليف المتقدمة، خاصة مع زيادة تعقيد تصميم الرقائق وارتفاع الحاجة إلى دمج مكونات أكثر داخل الحزم الإلكترونية نفسها.
أما المنطقة الجنوبية الشرقية، فسيُعاد توظيفها كمركز للابتكار في مجالات المواد والمكونات والمعدات المرتبطة بصناعة أشباه الموصلات. وبذلك تسعى الحكومة إلى بناء منظومة أكثر توازناً لا تقتصر على المصانع النهائية فقط، بل تمتد إلى كل الحلقات الداعمة التي تحدد تنافسية القطاع على المدى الطويل. ويعكس هذا النهج إدراكاً متزايداً لأهمية توطين التقنيات المساعدة، وليس فقط خطوط الإنتاج الأساسية.
وتُظهر هذه الخطة أن كوريا الجنوبية تتحرك من منطق التمركز الصناعي في منطقة واحدة إلى منطق الشبكة الصناعية المتكاملة، حيث تتوزع المهام بين الإنتاج والتغليف والابتكار. ويُتوقع أن يخفف هذا النموذج الضغوط اللوجستية والتنظيمية، ويمنح الشركات مرونة أكبر في التوسع والاستجابة لتقلبات السوق العالمية.
تسريع زمني للمشروعات الصناعية
أحد أبرز عناصر الخطة يتمثل في تسريع الجدول الزمني لإنشاء مصانع جديدة، إذ تعتزم الحكومة تقريب موعد بدء تشغيل منشآت التصنيع الجديدة بما يقارب 12 عاماً مقارنة بالمسار السابق. ووفق هذا التعديل، فإن بعض المشروعات التي كان من المتوقع أن تصل إلى مرحلة الإنجاز في منتصف أو أواخر أربعينيات القرن الحالي، قد تصبح قابلة للتحقق بحلول منتصف ثلاثينياته.
ويمثل هذا التحول الزمني رسالة واضحة للشركات المحلية والعالمية مفادها أن كوريا الجنوبية تريد تعزيز موقعها في سباق الرقائق عبر تقليل مدة الانتظار بين القرار الاستثماري وبدء التشغيل الفعلي. وفي صناعة تتطور بسرعة كبيرة، يمكن لأي تأخير تنظيمي أو بنيوي أن يقلل من جدوى المشروعات أو يدفع المستثمرين إلى وجهات بديلة أكثر جاهزية.
ولتحقيق ذلك، تعهدت الحكومة بتخفيف إجراءات التصاريح والتشييد، إلى جانب الاستثمار في بنية تحتية أساسية تشمل الكهرباء والمياه الصناعية. وتُعد هذه العناصر حاسمة في صناعة أشباه الموصلات، التي تتطلب إمدادات مستقرة وبيئة تشغيل دقيقة للغاية. ومن دون هذا الدعم، تصبح المصانع المتقدمة أقل قدرة على العمل بكفاءة أو التوسع بوتيرة مناسبة.
أبعاد اقتصادية واستراتيجية أوسع
تعكس الخطة الكورية الجنوبية إدراكاً أوسع لأهمية أشباه الموصلات في الاقتصاد الحديث، ليس باعتبارها سلعة صناعية فحسب، بل بوصفها أساساً للبنية الرقمية العالمية. فهذه الصناعة تدخل في كل شيء تقريباً، من الهواتف الذكية والحواسيب إلى السيارات الكهربائية ومراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي. لذلك فإن أي توسع في إنتاجها يحمل آثاراً تتجاوز القطاع نفسه لتشمل الصادرات والتوظيف والاستثمار التكنولوجي.
كما أن توزيع الاستثمارات على عدة أقاليم يفتح المجال أمام تنمية إقليمية أكثر توازناً، ويقلل من الضغط على العاصمة والمناطق المحيطة بها. ومن شأن ذلك أن يخلق فرصاً جديدة للموردين المحليين والشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في الخدمات الهندسية والصيانة والمعدات المتخصصة. وبمرور الوقت، قد تتحول هذه السياسة إلى رافعة للنمو الصناعي الموزع جغرافياً بدل الاعتماد على مركز واحد فقط.
وفي ظل المنافسة الدولية المتصاعدة على سلاسل توريد الرقائق، تسعى سيول إلى الحفاظ على موقعها المتقدم عالمياً من خلال الجمع بين الاستثمار الخاص والدعم الحكومي وتسريع الإجراءات. وهذه المقاربة لا تستهدف رفع الإنتاج فحسب، بل تعزيز القدرة على الصمود أمام اضطرابات السوق ونقص المكونات وتغيرات الطلب العالمي.
وبهذا الإعلان، ترسل كوريا الجنوبية إشارة واضحة إلى الأسواق بأنها تعتزم توسيع حضورها في الاقتصاد الرقمي من خلال بنية صناعية أكثر تنوعاً ومرونة. وإذا نجحت الخطة في الالتزام بجداولها الزمنية، فقد تتحول البلاد إلى نموذج لسياسة صناعية حديثة تربط بين التكنولوجيا المتقدمة والبنية التحتية والاستثمار طويل الأمد.