تأجيل يهدف إلى مواءمة التطبيق الدولي
قررت المفوضية الأوروبية إرجاء بدء العمل بإطار رأس المال الجديد الخاص بمخاطر السوق في البنوك لمدة ثلاث سنوات، في خطوة تعكس حرص بروكسل على عدم فرض قواعد قد تضع المؤسسات المالية الأوروبية في موقع أضعف من منافساتها في الأسواق الكبرى الأخرى.
ويأتي القرار في سياق متابعة تطبيق المراجعة الأساسية لمحفظة التداول، المعروفة اختصاراً بـFRTB، وهي إحدى الركائز التنظيمية المرتبطة بحزمة «بازل 3» العالمية. وتهدف هذه المراجعة إلى جعل قياس المخاطر الناجمة عن أنشطة التداول أكثر دقة، وربط متطلبات رأس المال لدى البنوك بمستوى المخاطر الفعلية التي تتعرض لها.
وترى المفوضية أن التريث في التنفيذ يمنح الاتحاد الأوروبي مساحة زمنية إضافية لمراقبة كيفية تعامل الولايات المتحدة وبريطانيا مع المعايير نفسها، قبل تثبيت المسار النهائي داخل السوق الأوروبية الموحدة.
حماية المنافسة في القطاع المصرفي
الاعتبار الأساسي وراء القرار هو منع حدوث تفاوت تنظيمي قد ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية للبنوك الأوروبية. فتنفيذ القواعد بسرعة أكبر من الشركاء الدوليين قد يرفع كلفة الامتثال على المصارف الأوروبية وحدها، ويحد من مرونتها في أنشطة التداول مقارنةً بالمؤسسات المالية في أسواق أخرى.
وقالت مفوضة الاتحاد الأوروبي للخدمات المالية، ماريا لويس ألبوكيركي، إن البنوك الأوروبية يجب أن تكون قادرة على المنافسة بشروط متكافئة مع نظيراتها خارج أوروبا، مؤكدة أن الإجراءات الانتقالية تساعد على الحفاظ على تكافؤ الفرص في الأسواق العالمية مع الاستمرار في الالتزام بالمبادئ الدولية لإدارة المخاطر.
ويعكس هذا الموقف توجهاً أوروبياً متكرراً يقوم على الموازنة بين التشدد الرقابي والحفاظ على تنافسية القطاع المالي، خصوصاً في مرحلة تتداخل فيها متطلبات الامتثال مع الضغوط الاقتصادية والاضطرابات الجيوسياسية.
نافذة زمنية حتى نهاية 2029
وبموجب الإطار السابق، كان من المفترض أن تدخل متطلبات رأس المال الجديدة حيز التطبيق الكامل اعتباراً من يناير 2027. لكن المقترح الجديد، ما لم يعترض عليه البرلمان الأوروبي أو الدول الأعضاء خلال فترة ستة أشهر، سيمدد سريان القواعد الانتقالية من عام 2027 حتى نهاية عام 2029.
هذا يعني أن البنوك الأوروبية ستحصل على مهلة أطول لتعديل أنظمتها الداخلية، وتحديث نماذج قياس المخاطر، ومواءمة أنشطة التداول مع أي متطلبات مستقبلية أكثر صرامة. كما يمنح التأجيل الهيئات التنظيمية فرصة لرصد التجارب الدولية قبل الانتقال إلى تطبيق أكثر استقراراً واتساقاً.
ويُنظر إلى هذه المهلة بوصفها محاولة لخفض احتمالات الاضطراب في أسواق المال، خاصة لدى البنوك التي تعتمد بشكل كبير على أنشطة السوق والاستثمار وتحتاج إلى وضوح تنظيمي قبل اتخاذ قرارات تشغيلية أو رأسمالية طويلة الأمد.
تنسيق مع المؤسسات الرقابية الأوروبية
أكدت المفوضية أن القرار جرى بالتنسيق مع البنك المركزي الأوروبي والهيئة المصرفية الأوروبية، في إشارة إلى أن التأجيل لا يمثل تخفيفاً للرقابة بقدر ما هو إعادة ضبط للإيقاع الزمني للتنفيذ.
ويعكس هذا التنسيق رغبة المؤسسات الأوروبية في إبقاء الإصلاحات المصرفية ضمن إطار مشترك، بحيث لا تتسبب الفوارق الزمنية في خلق ضغوط غير متكافئة على المصارف العاملة عبر الحدود.
ومن المنتظر أن يواصل الاتحاد الأوروبي متابعة مواقف الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة وبريطانيا، لأن أي اختلافات جوهرية في وتيرة التطبيق أو نطاقه قد تؤثر في توزّع النشاط المالي العالمي، وفي موقع البنوك الأوروبية ضمن المنافسة الدولية على الأعمال والاستثمارات والخدمات المرتبطة بالتداول.
توازن بين الاستقرار المالي والمرونة التنظيمية
يمثل القرار الأوروبي مثالاً على التعقيد الذي يواجهه صانعو السياسات المالية في مرحلة ما بعد الأزمة، حيث لم تعد القواعد المصرفية تُقاس فقط من زاوية الصلابة الرقابية، بل أيضاً من خلال أثرها في تنافسية المؤسسات وقدرتها على تمويل الاقتصاد.
وفي الوقت الذي تتمسك فيه أوروبا بمبادئ «بازل 3»، يبدو أن الأولوية الحالية هي اختيار توقيت التطبيق بما يقلل المخاطر على البنوك ويجنبها التباين مع الأطر التنظيمية في الأسواق المالية الكبرى الأخرى. ومن هنا، فإن التأجيل لا يلغي الإصلاح، لكنه يعيد ترتيب خطوته بما يتناسب مع المشهد الدولي غير المستقر.
وبذلك، تدخل قواعد رأس المال الخاصة بمخاطر السوق مرحلة انتظار جديدة، سيكون عنوانها الرئيسي هو مراقبة التطورات في واشنطن ولندن قبل تثبيت الموقف الأوروبي النهائي.