11-Jul-2026 5 دقائق قراءة

ألمانيا ترفض عرض يونيكريديت للاستحواذ على كومرتس بنك وسط تصاعد التدقيق على الصفقات المصرفية

رفضت وكالة التمويل الألمانية عرض بنك يونيكريديت للاستحواذ على كومرتس بنك، معتبرة أنه لا يقدم علاوة سعرية كافية ويثير مخاوف بشأن نهج عدائي. القرار يعزز مسار استقلال البنك الألماني بينما تتواصل الضغوط التنظيمية والتحقيقات المرتبطة بالعرض.

رفض رسمي يعقّد محاولة الاستحواذ

أعلنت جهة التمويل الحكومية في ألمانيا رفضها عرض بنك «يونيكريديت» الإيطالي للاستحواذ على «كومرتس بنك»، في خطوة تعكس استمرار المقاومة السياسية والمالية لأي تحرك يضع أحد أكبر البنوك الألمانية تحت سيطرة أجنبية. وجاء القرار قبل انتهاء المرحلة الأولى من عرض الشراء، ليزيد من تعقيد واحدة من أبرز صفقات القطاع المصرفي الأوروبي خلال العام.

وبررت الجهة الألمانية موقفها بأن العرض لا يحقق قيمة مناسبة للمساهمين، لأنه لا يتضمن علاوة كافية على سعر السهم المتداول، كما عبّرت عن تحفظات مرتبطة بما وصفته بالنهج العدائي الذي اتبعه البنك الإيطالي في محاولة التوسع.

ويأتي هذا التطور في سياق صراع ممتد منذ أشهر بين الطرفين، بعدما أبدى «يونيكريديت» اهتماماً متكرراً بضم «كومرتس بنك» إلى محفظته، بينما دافعت برلين عن بقاء البنك مستقلاً نظراً إلى دوره في تمويل الشركات المتوسطة وفي دعم مركز فرانكفورت المالي.

حسابات مالية وسياسية وراء الموقف الألماني

تمتلك الحكومة الألمانية حصة تبلغ 12 في المائة في «كومرتس بنك»، وقد آلت إليها هذه الحصة بعد الأزمة المالية العالمية في 2008. ومنذ ذلك الوقت بقيت الدولة طرفاً مؤثراً في أي نقاش يتعلق بمستقبل البنك، ولا سيما مع حساسية الاستحواذ على مؤسسة مصرفية ذات ارتباط مباشر بتمويل الاقتصاد الحقيقي.

وترى برلين أن إبقاء «كومرتس بنك» مستقلاً ينسجم مع مصالحها الاقتصادية، خصوصاً أن البنك يؤدي دوراً رئيسياً في خدمة الشركات المتوسطة، وهي شريحة تعد العمود الفقري للاقتصاد الألماني. كما تعتبر السلطات أن استمرار وجوده القوي في فرانكفورت مهم للحفاظ على ثقل المدينة كمركز مالي أوروبي.

وبحسب الموقف الألماني، فإن أي صفقة من هذا النوع ينبغي أن توفر سعراً عادلاً ومكاسب واضحة للمساهمين، لا أن تقتصر على توسع استراتيجي لطرف راغب في تعزيز حضوره داخل السوق المصرفية الأوروبية.

تحقيق أولي في شبهات تلاعب بالسوق

تزامن رفض العرض مع إعلان مدّعين في فرانكفورت فتح تحقيق أولي في احتمال وجود تلاعب في السوق مرتبط بالصفقة. وجاء هذا التطور بعد شكوى جنائية تقدم بها مجلس عمال «كومرتس بنك»، ما أضاف بعداً قانونياً جديداً إلى الملف.

وبحسب ما أفادت به الجهات المعنية، فإن التحقيق ما يزال في مرحلة أولية، ولا يعني الوصول إلى نتيجة نهائية بشأن وجود مخالفات من عدمه. ومع ذلك، فإن مجرد فتح الملف يعكس مستوى التدقيق الذي باتت تخضع له التحركات المتعلقة بالاستحواذات في القطاع المالي الألماني.

من جانبه، قال «يونيكريديت» إنه على علم بما جرى، مضيفاً أن الردود الأولية من النيابة تتماشى مع الإجراءات المعتادة عند تلقي شكاوى من هذا النوع. ويبدو أن البنك الإيطالي يسعى إلى الإبقاء على نبرة هادئة في وقت يواجه فيه تحديات تنظيمية وسوقية متصاعدة.

تراجع السهم دون السعر الضمني للعرض

في أسواق الأسهم، تراجع سهم «كومرتس بنك» إلى ما دون السعر الضمني الذي يعكسه عرض «يونيكريديت»، بعد أن ظل لأيام يتداول فوق هذا المستوى منذ إطلاق العرض في 5 مايو. ويشير هذا التحول إلى أن المستثمرين بدأوا يعيدون تسعير احتمالات نجاح الصفقة بعد سلسلة التطورات الأخيرة.

وبلغ سعر السهم 36.53 يورو في تداولات الثلاثاء صباحاً، بينما وصل سهم «يونيكريديت» إلى 76.97 يورو. ووفق نسبة التبادل المقترحة البالغة 0.485 سهم جديد من «يونيكريديت» مقابل كل سهم من «كومرتس بنك»، تُقدَّر قيمة العرض بنحو 37.33 يورو للسهم الواحد.

ومن المقرر أن تنتهي المهلة الأساسية للعرض يوم الثلاثاء، على أن يُعاد فتحه لاحقاً لمدة 15 يوماً إضافية ابتداءً من 20 يونيو، وهو ما يترك نافذة محدودة أمام أي تطورات جديدة قد تغير موقف المساهمين أو مسار التفاوض.

دلالات أوسع على موجة الاندماجات المصرفية في أوروبا

تكشف هذه القضية عن التوازن الصعب بين منطق السوق ومصالح السيادة الاقتصادية في أوروبا. فبينما تسعى البنوك الكبرى إلى التوسع عبر الاستحواذ لتعزيز الحصة السوقية ورفع الكفاءة، تميل الحكومات في بعض الحالات إلى التحفظ عندما يتعلق الأمر بمؤسسات مصرفية ذات دور استراتيجي في تمويل الشركات المحلية أو الحفاظ على الاستقرار المالي.

كما تبرز القضية حساسية البيئة التنظيمية في ألمانيا، حيث لا تُقاس الصفقات الكبرى فقط بجدواها المالية المباشرة، بل أيضاً بتأثيرها على التوظيف والائتمان والقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. وفي حالة «كومرتس بنك»، تتضاعف هذه الحساسية بسبب رمزية البنك ومكانته داخل النظام المالي الألماني.

وفي المقابل، يبدو أن «يونيكريديت» يواجه اختباراً صعباً في إقناع السوق والجهات الرسمية بأن عرضه يحقق قيمة كافية، وأنه لا يمثل مجرد محاولة توسع عدائية. ومع دخول الملف مرحلة جديدة من الضغوط القانونية والمالية، يصبح مستقبل الصفقة أكثر ارتباطاً بحسابات السياسة الاقتصادية منه بموازين الأسهم وحدها.

وبين رفض حكومي واضح، وتراجع في سعر السهم، وتحقيق أولي في السوق، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان «يونيكريديت» سيواصل محاولته أم سيعيد تقييم استراتيجيته في السوق الألمانية.