خلاف متصاعد حول عرض الاستحواذ
دخلت معركة الاستحواذ على كومرتس بنك مرحلة أكثر توتراً بعد أن رفض يونيكريديت الإيطالي اتهامات البنك الألماني بشأن دقة أرقام الاكتتاب في العرض الذي تقدمه المجموعة الإيطالية. وقال يونيكريديت إن التشكيك في مصادر الأسهم المعروضة لا يستند إلى وقائع صحيحة، في وقت يقترب فيه انتهاء العرض البالغ 40 مليار يورو والمقدم بالكامل عبر مبادلة الأسهم.
ويأتي هذا السجال بينما يواجه العرض مقاومة واضحة من إدارة كومرتس بنك ومن دوائر داعمة لها داخل ألمانيا، ما يجعل الصفقة واحدة من أبرز ملفات الدمج المصرفي في أوروبا خلال الفترة الحالية. ومع اقتراب الموعد النهائي، تصاعدت لهجة الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، بما يعكس حساسية المعركة على مستوى الحوكمة والسيطرة المستقبلية.
أرقام الاكتتاب ترفع حصة يونيكريديت
كان يونيكريديت قد حدد هدفه الأولي في رفع حصته إلى ما يزيد قليلاً على 30 في المائة، إلا أن التطورات الأخيرة أظهرت أنه تمكن حتى الآن من الحصول على نحو 40 في المائة من أسهم كومرتس بنك. وهذه النسبة تمنح المساهم الأكبر نفوذاً مؤثراً في القرارات التي تُتخذ خلال الاجتماعات العامة، حتى إن لم تصل إلى مستوى السيطرة الكاملة.
وبحسب البيانات المعلنة، بلغت نسبة الاكتتاب 11.86 في المائة من رأس المال يوم الجمعة، ما رفع إجمالي حصة يونيكريديت إلى 41.8 في المائة. ويشمل ذلك حصته الحالية البالغة نحو 27 في المائة، إضافة إلى 3.2 في المائة في مشتقات مالية تُسوّى بالأسهم، و13.2 في المائة في مشتقات مالية تُسوّى نقداً.
هذا التراكم في الحصة يضع يونيكريديت في موقع متقدم داخل هيكل ملكية البنك الألماني، ويزيد من أهمية الجدل الدائر حول ما إذا كانت الأسهم المقدمة في العرض تعكس بالفعل شريحة واسعة من المستثمرين المؤسسيين، أو أن جزءاً كبيراً منها جاء من أطراف مالية مرتبطة بالسوق نفسه.
كومرتس بنك يشكك في طبيعة الأسهم المقدمة
من جانبه، أثار كومرتس بنك تساؤلات حول أرقام الاكتتاب، مشيراً إلى أنه لم يلحظ مشاركة فعلية من مستثمرين مؤسسيين كبار، وأن الأسهم التي قدمت في العرض جاءت في الأساس من بنوك. وذهب البنك الألماني إلى أن بعض هذه البنوك قد تكون أطرافاً مقابلة ليونيكريديت في معاملات المشتقات المالية، ما يعني ـ وفق هذه القراءة ـ أن الصورة الظاهرة قد لا تعكس تدفقاً حقيقياً ومستقلاً من المساهمين.
ويرى كومرتس بنك أن هذه النقطة مهمة، لأنها تتعلق بجودة الطلب على العرض وليس فقط بحجمه العددي. وفي صفقات الاستحواذ الكبرى، لا يكفي الإعلان عن نسب اكتتاب مرتفعة، بل يصبح من الضروري أيضاً توضيح طبيعة المستثمرين المشاركين ودرجة استقلالهم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببنك استراتيجي في سوق حساس مثل السوق الألمانية.
يونيكريديت ينفي الاتهامات ويستعد لخيارات قانونية
رفض يونيكريديت هذه الاتهامات بشكل مباشر، مؤكداً أن لديه علاقات مشتقات مالية مع بنوك دولية من بينها نومورا وسيتي وبي إن بي باريبا، وأن وجود هذه العلاقات لا يعني بأي حال أن الأسهم المعروضة أقل من المعلن أو أنها جرى التلاعب بمصدرها.
وفي بيان حاد اللهجة، قال البنك الإيطالي إن الادعاءات القائلة بأن عدد الأسهم المعروضة فعلياً أقل لأنها مقترضة من يونيكريديت هي ادعاءات غير صحيحة ولا تستند إلى أساس. وأضاف أنه يضطر إلى توضيح موقفه بسبب ما وصفه باستمرار تداول معلومات مضللة، مؤكداً أنه سيدرس الإجراء الأنسب لحماية مصالحه، بما في ذلك التحرك على الصعيدين القانوني والتنظيمي.
هذا الموقف يعكس أن الملف لم يعد مجرد خلاف حول تفاصيل الاكتتاب، بل تحول إلى مواجهة مؤسسية أوسع تتعلق بالشفافية، وبالطريقة التي تُدار بها الصفقات العابرة للحدود في القطاع المصرفي الأوروبي.
رهان على النفوذ في مجلس الإشراف
إلى جانب الجدل حول الأرقام، برزت مسألة الحوكمة بوصفها أحد أهم عناصر المعركة. فقد أوضح يونيكريديت أنه، إذا حصل على دعم كافٍ من المساهمين في الاجتماع السنوي المقبل لكومرتس بنك، فسيكون في وضع يمكّنه من تعيين جميع ممثلي المساهمين في مجلس الإشراف، وهو المجلس الذي يتولى بدوره تعيين مجلس الإدارة.
وهذا السيناريو، إذا تحقق، سيمنح يونيكريديت قدرة مباشرة على التأثير في الاتجاه الاستراتيجي للبنك الألماني، وليس فقط في نسبة ملكيته. كما أنه يفسر تمسك الطرفين بالنقاش حول نسب الاكتتاب، لأن السيطرة على مجلس الإشراف قد تكون أكثر حسماً من مجرد امتلاك حصة مالية كبيرة.
وقال البنك الإيطالي إنه واثق من أن هذا الموقع سيسمح له بتنفيذ استراتيجيته الرامية إلى تعزيز الربحية، وهي غاية ترتبط عادة بإعادة الهيكلة وتحسين كفاءة التشغيل ورفع العائد على رأس المال.
دلالات أوسع على السوق المصرفية الأوروبية
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي الأوروبي ضغوطاً متزايدة للبحث عن الحجم والربحية في بيئة تتسم بارتفاع متطلبات رأس المال وتشدد المنافسة وتزايد التحديات التنظيمية. ومن هذا المنظور، لا تُقرأ معركة يونيكريديت وكومرتس بنك باعتبارها نزاعاً ثنائياً فحسب، بل بوصفها اختباراً لقدرة البنوك الكبرى على التوسع عبر الاستحواذ في أسواق ليست محلية بالكامل.
كما تعكس القضية حساسية الرأي العام والجهات التنظيمية في ألمانيا تجاه أي تغيير في ملكية بنك ذي وزن محلي، خاصة عندما يأتي العرض من طرف أوروبي آخر يسعى إلى بناء نفوذ طويل الأجل. لذلك فإن الجدل حول صحة الأرقام، وإن بدا تقنياً في ظاهره، قد يؤثر في مسار الصفقة، وفي طبيعة الترتيبات التي قد تسبق الحسم النهائي.
ومع اقتراب إغلاق العرض، يبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كان يونيكريديت سيتمكن من تحويل نسبة الاكتتاب الحالية إلى نفوذ مستدام داخل كومرتس بنك، أم أن المقاومة الإدارية والتنظيمية ستدفع المعركة إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.