الذهب يواجه أسبوعاً صعباً
واصلت أسعار الذهب مسارها الهابط متجهة إلى خسارة أسبوعية ثالثة متتالية، بعدما زادت الضغوط عليها بفعل قوة الدولار الأميركي وتنامي الرهانات على بقاء السياسة النقدية في الولايات المتحدة ضمن نطاق التشدد لفترة أطول. وجاء التراجع الأخير في وقت فقد فيه المعدن النفيس جزءاً كبيراً من الزخم الذي دعمه سابقاً خلال فترات التوتر الجيوسياسي.
وبحسب التداولات الأخيرة، هبط الذهب في السوق الفورية بأكثر من 2 في المائة، مسجلاً أدنى مستوى له منذ منتصف يونيو، فيما تراجعت العقود الآجلة الأميركية بوتيرة مشابهة تقريباً. ويعكس ذلك انتقال اهتمام المستثمرين من عوامل الملاذ الآمن إلى تأثيرات السياسة النقدية والعائدات المرتفعة على الأصول غير المدرة للدخل.
وخسارة الذهب خلال الأسبوع بلغت نحو 3.8 في المائة، وهو مستوى يوضح حجم التحول في شهية السوق خلال فترة قصيرة نسبياً، خصوصاً مع ارتفاع العملة الأميركية إلى أعلى مستوى لها في عام كامل.
الدولار الأقوى يرفع كلفة الشراء
أحد أبرز أسباب الضغط على الذهب يتمثل في صعود الدولار، لأن تسعير المعدن الأصفر يتم بالدولار عالمياً. وعندما ترتفع قيمة العملة الأميركية، يصبح شراء الذهب أكثر كلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى، ما يحد من الطلب عليه ويضعف قدرته على الحفاظ على المكاسب.
كما أن قوة الدولار عادة ما ترتبط بتوقعات أفضل للاقتصاد الأميركي أو بتشدد أكبر في السياسة النقدية، وكلا العاملين يميلان إلى تقليص جاذبية الذهب مقارنة بالأدوات المالية التي توفر عائداً دورياً أو فائدة مباشرة.
وفي هذه الدورة، لم تكن الضغوط ناتجة عن عامل واحد، بل عن اجتماع عدة عناصر: صعود العملة الأميركية، وتوقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة، وتراجع تأثير الأخبار الجيوسياسية التي دعمت الأسعار في فترات سابقة.
رسائل الفيدرالي تعمّق الضغوط
تشير توقعات الأسواق إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قد يحتفظ بنبرة متشددة خلال ما تبقى من العام، وهو ما عزز قناعة المتعاملين بأن خفض الفائدة ليس قريباً بالدرجة التي كان يأملها كثيرون. ووفق تقديرات داخلية للبنك المركزي، فإن عدداً ملحوظاً من المسؤولين لا يستبعدون الحاجة إلى رفع إضافي لأسعار الفائدة هذا العام.
هذه التوقعات انعكست مباشرة على مزاج المستثمرين، لأن الذهب من الأصول التي تتضرر عادة من ارتفاع الفائدة. فكلما زاد العائد على السندات والأدوات النقدية، تقلّ تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدرّ فائدة.
كما ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في ديسمبر بصورة واضحة مقارنة بالتقديرات السابقة، ما يعكس تحوّل السوق من الرهان على التيسير إلى الرهان على استمرار التشديد. وهذه النقطة كانت كافية لإعادة تقييم مراكز كثيرة في سوق المعادن النفيسة.
الأثر الجيوسياسي لم يستمر طويلاً
في الأسابيع الماضية، استفاد الذهب من موجات قلق مرتبطة بالتوترات الإقليمية، لكن تلك المكاسب لم تستمر طويلاً. فمع ظهور مؤشرات تهدئة نسبية في بعض الملفات، أعاد المستثمرون تركيزهم على السياسة النقدية الأميركية بوصفها العامل الأكثر تأثيراً على المدى القريب.
ويظهر ذلك بوضوح في طريقة تفاعل الأسعار مع الأخبار الدبلوماسية؛ إذ إن أي دعم ناتج عن التوترات السياسية أصبح مؤقتاً، بينما بقيت العوامل المالية أكثر رسوخاً في توجيه التداولات. لذلك لم تتمكن موجة الشراء الدفاعي من الصمود أمام موجة بيع مرتبطة بتوقعات الفائدة والدولار.
وفي الوقت نفسه، تظل الصورة الجيوسياسية متحركة، لكن الأسواق باتت تتعامل معها بحذر أكبر، وبوزن أقل من السابق في تسعير الذهب، ما دام مسار السياسة النقدية الأميركية لا يزال يميل إلى التشدد.
البنوك الاستثمارية تعدل توقعاتها
انعكس هذا التحول أيضاً على توقعات المؤسسات المالية الكبرى. فقد خفّض أحد البنوك الاستثمارية العالمية تقديراته لسعر الذهب بنهاية العام، مستنداً إلى افتراض أن الاحتياطي الفيدرالي لن يقدم على خفض أسعار الفائدة خلال الأشهر المتبقية من السنة.
ويعني ذلك أن السوق لم تعد تتعامل مع الذهب باعتباره رهانا صعودياً ثابتاً، بل كأصل حساس للغاية لأي تعديل في توقعات الفائدة أو قوة الدولار. وفي مثل هذا المناخ، يصبح نطاق التداول أضيق وأكثر عرضة للتقلب السريع.
ومن المرجح أن تظل التوقعات المستقبلية للذهب مرتبطة برسالتين أساسيتين: الأولى هي ما إذا كان الفيدرالي سيؤكد استمرار التشدد، والثانية هي ما إذا كان الدولار سيحتفظ بزخمه الحالي أو يبدأ في فقدانه تدريجياً.
تراجع جماعي في المعادن النفيسة
لم يقتصر الضغط على الذهب وحده، بل امتد إلى معظم المعادن الثمينة. فقد انخفضت الفضة بأكثر من 3 في المائة، بينما تراجع البلاتين والبلاديوم أيضاً بنسب ملحوظة، في إشارة إلى أن موجة البيع كانت واسعة وليست مقتصرة على المعدن الأصفر.
هذا التراجع المتزامن يعكس حالة من الحذر في أسواق السلع، إذ يميل المستثمرون إلى تقليص الانكشاف على المعادن عندما ترتفع العوائد على الأصول الدولارية الآمنة نسبياً. كما أن ضعف الطلب الصناعي النسبي على بعض المعادن يضيف طبقة أخرى من الضغط.
وتشير هذه التحركات إلى أن البيئة الحالية ليست مواتية للمعادن النفيسة بشكل عام، ما لم تظهر محفزات جديدة تعيد الاعتبار لعوامل التحوط أو تضعف الدولار بصورة ملموسة.
ما الذي يراقبه المستثمرون الآن؟
تركز أنظار المستثمرين حالياً على ثلاثة عناصر رئيسية: اتجاه الدولار، وتطورات السياسة النقدية الأميركية، وأي مستجدات جيوسياسية قد تعيد طلب الملاذات الآمنة. وإذا استمرت الفائدة المرتفعة مع بقاء العملة الأميركية قوية، فقد يظل الذهب تحت ضغط إضافي خلال المدى القريب.
أما إذا بدأت الأسواق في تسعير احتمال أكبر لخفض الفائدة لاحقاً، أو إذا فقد الدولار جزءاً من مكاسبه، فقد يجد الذهب دعماً يسمح له باستعادة بعض الخسائر. لكن حتى الآن، يبقى الاتجاه العام في صالح الدولار وفي غير صالح المعدن النفيس.
وبينما تتابع الأسواق هذه العوامل المتقاطعة، يبدو أن الذهب دخل مرحلة اختبار جديدة تحددها السياسة النقدية أكثر من أي عامل آخر، وهو ما يفسر حدة التذبذب الحالية في أسعاره وفي أسعار المعادن المرتبطة به.