الفضة تفقد بريقها بعد موجة صعود قوية
تواجه الفضة ضغوطاً متزايدة في أسواق المعادن النفيسة، بعدما تراجعت بنحو نصف قيمتها منذ بلوغها أعلى مستوى تاريخي في يناير الماضي. ويأتي هذا الهبوط في وقت تشهد فيه الأسواق تقلبات ملحوظة، مع انتقال جزء من السيولة نحو الذهب الذي حافظ على قدر أكبر من التماسك.
ويعكس هذا التراجع مزيجاً من العوامل المرتبطة بالسياسة النقدية الأميركية، والتوقعات التضخمية، وتغيّر شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات الحساسية العالية للدورة الاقتصادية. وبينما لا تزال الفضة تحتفظ بجاذبيتها الاستثمارية، فإن ارتباطها بالطلب الصناعي جعلها أكثر عرضة للضغط من الذهب.
توقعات الفائدة الأميركية تزيد الضغط على المعادن
بدأت موجة التراجع في أواخر يناير، عندما عززت الأسواق رهاناتها على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه إلى خفض أقل لأسعار الفائدة مما كان متوقعاً سابقاً. ومع مرور الوقت، زادت المخاوف من أن التضخم قد يبقى عند مستويات مرتفعة، خصوصاً مع تطورات جيوسياسية رفعت احتمالات التشدد النقدي في الولايات المتحدة.
وفي بيئة كهذه، تميل المعادن النفيسة إلى التحرك بصورة حساسة، لكن الفضة تكون عادة الأكثر تذبذباً. فارتفاع العوائد أو بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة يقلل جاذبية الأصول غير المدرة للعائد، كما يضغط على مراكز المضاربة التي تعتمد على توقعات التيسير النقدي.
لماذا تتأثر الفضة أكثر من الذهب؟
السبب الرئيسي يعود إلى طبيعة الفضة المزدوجة. فهي ليست فقط ملاذاً استثمارياً، بل أيضاً مادة تدخل في صناعات متعددة، من الإلكترونيات إلى الطاقة الشمسية والتطبيقات التكنولوجية. لذلك، فإن أي تباطؤ في النشاط الصناعي أو تراجع في شهية المخاطرة ينعكس عليها بشكل أسرع وأعمق من الذهب.
كما أن الفضة كانت قد حققت مكاسب قوية خلال موجة الصعود السابقة، ما جعل التصحيح اللاحق أكثر حدة. وبالمقارنة، ظل الذهب يستفيد من دوره التقليدي كأصل دفاعي، خصوصاً في الفترات التي ترتفع فيها الضبابية الاقتصادية وتتراجع فيها الثقة في الأصول عالية المخاطر.
الذهب يعزز تفوقه على أساس النسبة السعرية
من الناحية الفنية، تشير البيانات إلى استمرار أفضلية الذهب على الفضة. فقد تجاوزت نسبة الذهب إلى الفضة متوسطها المتحرك لـ200 يوم عند مستوى 66.76، وهو مستوى يُنظر إليه في التحليل الفني كإشارة إلى بقاء الاتجاه الصعودي لهذه النسبة، بما يعني ضمناً استمرار ضعف الفضة مقارنة بالذهب.
ويترقب المتعاملون الآن مستوى 70 بوصفه حاجزاً نفسياً مهماً. وإذا استقرت النسبة فوقه، فقد تتجه إلى 72.74، وهو أعلى مستوى سجلته في السادس من فبراير، قبل أن يظهر مستوى 75.25 كهدف لاحق ضمن المسار الهابط الممتد منذ أبريل 2025.
وفي المقابل، يحتاج أي تحسن واضح في أداء الفضة إلى تراجع النسبة دون المتوسط المتحرك لـ200 يوم، ثم كسر القاع المسجل في 22 يونيو عند 62.68. أما الهبوط دون 60.56، فقد يمنح الفضة فرصة لاستعادة بعض خسائرها والحد من تفوق الذهب.
بيئة السوق تميل إلى الأصول الأقل مخاطرة
التطورات الأخيرة في أسواق الأسهم والسندات أظهرت أن المستثمرين لا يزالون يتعاملون بحذر مع الأصول المرتبطة بالنمو الاقتصادي. فارتفاع عوائد السندات، أو تباطؤ التوقعات الخاصة بتخفيض الفائدة، عادة ما يضغط على المعادن الصناعية ويمنح الذهب أفضلية نسبية.
وتزداد هذه الفجوة عندما تتراجع الرغبة في المخاطرة لدى المستثمرين العالميين. في هذه الحالة، تصبح الفضة أكثر عرضة للخروج من محافظ الاستثمار قصيرة الأجل، بينما يحتفظ الذهب بدوره كأداة تحوط في مواجهة التضخم والتقلبات الجيوسياسية.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين؟
الرسالة الأهم في الوقت الراهن هي أن الفضة تحتاج إلى محفزات أقوى من مجرد الرغبة في التحوط. فهي تعتمد في صعودها على مزيج دقيق من النمو الصناعي، وتراجع الفائدة الحقيقية، وتحسن المزاج العام في الأسواق. ومع غياب هذا التوازن، يبقى احتمال استمرار الضغط عليها قائماً.
أما الذهب، فيبدو أنه يستفيد حالياً من هذا الاختلال، إذ تجمع تحركاته بين الدعم الدفاعي وتفضيل المستثمرين له في فترات عدم اليقين. ولذلك، فإن مراقبة مسار السياسة النقدية الأميركية ومستويات التضخم والعوائد السندية ستظل العامل الحاسم في تحديد اتجاه الفارق بين المعدنين خلال الفترة المقبلة.
وبينما لا تزال الفضة جزءاً أساسياً من معادلة المعادن النفيسة، فإن دورها الصناعي يجعلها أقرب إلى أصول الدورة الاقتصادية، وهو ما يفسر لماذا تدفع الثمن الأكبر عندما تتبدل التوقعات المالية وتزداد المخاوف من تباطؤ النمو أو تشدد البنوك المركزية.