واصلت أسعار الذهب خسائرها لتسجل أدنى مستوى لها في 11 أسبوعاً، وسط ضغط واضح من ارتفاع الدولار الأمريكي وزيادة العائدات وتبدل توقعات السياسة النقدية في الولايات المتحدة. وجاء الهبوط في وقت تتفاعل فيه الأسواق أيضاً مع موجة صعود في أسعار النفط، ما أعاد المخاوف بشأن التضخم ورسّخ الرهان على بقاء أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
الذهب يتراجع في التعاملات الآجلة والفورية
بحلول الساعة 09:35 بتوقيت موسكو، هبطت العقود الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 1.23% لتصل إلى 4233.60 دولار للأونصة. وفي السوق الفورية، جرى تداول المعدن الأصفر عند 4208.93 دولار للأونصة، منخفضاً بنسبة 1.22% مقارنة بجلسة الإغلاق السابقة.
ويعكس هذا التحرك استمرار الضغوط البيعية على الذهب، الذي عادة ما يستفيد في فترات الاضطراب المالي، لكنه يصبح أقل جاذبية عندما ترتفع العوائد وتتحسن قوة العملة الأمريكية. كما أن اقتراب الأسواق من تقييم جديد لمسار الفائدة يزيد من حساسية الذهب لأي تغيير في تصريحات البنوك المركزية أو البيانات الاقتصادية.
الدولار والعوائد يعيدان تشكيل شهية المستثمرين
أحد أبرز أسباب التراجع كان ارتفاع الدولار، إذ إن صعوده يجعل شراء الذهب أكثر كلفة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى. ومع كون الذهب أصلاً غير مدر للعائد، فإن ارتفاع العوائد على الأصول البديلة يضعف من جاذبيته الاستثمارية، خاصة للمضاربين وصناديق التحوط التي تراقب فرق العائد بين الأصول.
وقال إيليا سبيفاك، رئيس وحدة الاقتصاد الكلي العالمي في شركة تيستيلايف، إن المحرك الأساسي للحركة الحالية يتمثل في تغير التوقعات المرتبطة بسياسة مجلس الاحتياطي الاتحادي، إلى جانب صعود العائدات والدولار. وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة تضغط على الذهب وتحد من قدرته على الارتداد.
ومن منظور الأسواق، فإن أي تأجيل لخفض الفائدة أو استمرار تشدد السياسة النقدية ينعكس عادةً على المعدن النفيس بشكل سلبي، لأن المستثمرين يميلون إلى تفضيل الأصول ذات العائد الأعلى في مثل هذه البيئة.
النفط والتوترات الجيوسياسية يضيفان طبقة أخرى من الضبابية
لم يكن صعود الدولار وحده هو العامل المؤثر، إذ ارتفعت أسعار النفط أيضاً، وهو ما عزز المخاوف بشأن التضخم في المرحلة المقبلة. وعندما ترتفع أسعار الطاقة، تتزايد احتمالات بقاء البنوك المركزية في حالة حذر، ما ينعكس على توقعات أسعار الفائدة ويؤثر بدوره على أسواق الذهب.
وفي الوقت نفسه، ساهمت التطورات الجيوسياسية في زيادة حالة عدم اليقين. فقد شنت الولايات المتحدة غارات على إيران بعد تصريحات للرئيس دونالد ترامب بشأن إسقاط طائرة هليكوبتر أمريكية من طراز أباتشي في مضيق هرمز، في خطوة عمّقت الشكوك حول فرص التوصل إلى اتفاق سلام وأبقت التوتر مرتفعاً حول الهدنة الهشة.
ورغم أن التوترات الجيوسياسية تدفع عادةً بعض المستثمرين إلى التحوط بالذهب، فإن تأثير الدولار والعوائد المرتفعة كان في هذه الجلسة أقوى من عامل الملاذ الآمن، وهو ما رجّح كفة الهبوط.
تراجع جماعي في المعادن النفيسة
امتد الضغط إلى بقية المعادن النفيسة، ما يشير إلى أن الحركة لم تكن خاصة بالذهب فقط، بل جاءت ضمن موجة أوسع من إعادة التسعير في الأسواق. فقد انخفضت الفضة في التعاملات الفورية بنسبة 1.5% لتسجل 64.43 دولار للأونصة.
كما هبط البلاتين بنسبة 2.8% إلى 1678.10 دولار للأونصة، في حين تراجع البلاديوم بنسبة 0.8% إلى 1212.31 دولار للأونصة. ويؤكد هذا الأداء الضعيف أن شهية المستثمرين تجاه المعادن النفيسة تعرضت لضغوط متزامنة، سواء من جانب السياسة النقدية أو من جانب حركة العملات والعوائد.
وبالنظر إلى طبيعة هذه الأصول، فإن أي استمرار في قوة الدولار أو ارتفاع جديد في العوائد قد يضيف مزيداً من الضغط عليها خلال الجلسات المقبلة. أما إذا ظهرت مؤشرات على تباطؤ اقتصادي أو تغير في لهجة الاحتياطي الاتحادي، فقد تجد المعادن فرصة لاستعادة بعض الخسائر.
ما الذي تراقبه الأسواق لاحقاً
يركز المستثمرون حالياً على مزيج من العوامل المتداخلة: اتجاه الدولار، مسار العائدات، توقعات التضخم، وأي إشارات جديدة من السياسة النقدية الأمريكية. كما تظل التطورات في أسواق الطاقة والتوترات الجيوسياسية عنصراً إضافياً في تحديد اتجاه الذهب، خاصة في ظل حساسية الأسواق لأي مفاجآت خلال الفترة المقبلة.
وفي المدى القصير، يبدو أن الذهب يواجه معادلة صعبة؛ فالدعم التقليدي القادم من الاضطرابات السياسية لا يكفي حالياً لتعويض أثر ارتفاع الدولار والعوائد. لذلك ستظل الحركة المقبلة مرهونة بقدرة السوق على إعادة تسعير توقعات الفائدة أو ظهور محفزات جديدة تعيد الطلب على الملاذات الآمنة.