إصلاحات أعادت التوازن إلى الاقتصاد
قال صندوق النقد الدولي إن سلسلة الإجراءات الاقتصادية التي نفذتها نيجيريا خلال العامين الماضيين بدأت تعطي نتائج واضحة على مستوى الاستقرار الكلي، إذ ساعدت في تعزيز ثقة المستثمرين وتحسين إدارة الاقتصاد، بعد سنوات من الضغوط على العملة والاحتياطات والمالية العامة.
وبحسب مراجعة الصندوق الأخيرة ضمن مشاورات المادة الرابعة، فإن الخطوات التي اتخذتها الحكومة النيجيرية منذ 2023، ومن بينها تقليص دعم الوقود، ورفع التشدد في السياسة النقدية، وتحرير سعر الصرف، أسهمت في إعادة بناء الاحتياطات الأجنبية وتحسين قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات.
هذه المكاسب، وفق تقييم الصندوق، تعكس تحسناً في مصداقية السياسات الاقتصادية، وتوضح أن السلطات تمكنت من إقناع الأسواق بجدية مسار الإصلاح، ما انعكس على عودة الاهتمام بالاقتصاد النيجيري في الأسواق الدولية.
احتياطات أعلى وتدفقات رأسمالية جديدة
أشار التقرير إلى أن تحسن إدارة سوق الصرف وارتفاع مستوى الثقة ساهما في خفض علاوات المخاطر، وهو ما مكّن نيجيريا من العودة إلى أسواق رأس المال الدولية واستقطاب تدفقات من الاستثمار الأجنبي المباشر.
كما لفت الصندوق إلى أن البنك المركزي النيجيري يقدّر إجمالي الاحتياطات الأجنبية بنحو 50 مليار دولار، وهو أعلى مستوى لها منذ 17 عاماً، في إشارة إلى أن الإصلاحات النقدية والمالية بدأت تعزز قدرة البلاد على حماية اقتصادها من تقلبات الخارج.
ورغم ذلك، حذّر الصندوق من الاعتماد الكبير على استثمارات المحافظ الأجنبية، وهي أموال سريعة الحركة أكثر من كونها استثمارات طويلة الأجل، لأن هذا النوع من التدفقات قد يخرج بسرعة عند أي اضطراب في الأسواق العالمية، ما يرفع مخاطر إعادة التمويل ويزيد هشاشة الوضع الخارجي.
ولذلك دعا التقرير إلى إعطاء أولوية أكبر لجذب الاستثمارات المباشرة طويلة الأجل، بوصفها أكثر استقراراً وأقرب إلى دعم النمو الحقيقي وخلق الوظائف.
الفقر يظل بعيداً عن مسار التحسن
على الرغم من المؤشرات الإيجابية على مستوى الاستقرار المالي، شدد صندوق النقد على أن هذه الإصلاحات لم تنعكس بعد بشكل ملموس على حياة المواطنين، حيث يقدّر معدل الفقر في نيجيريا بنحو 63 في المائة، مع اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي.
ويعكس ذلك فجوة واضحة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والواقع المعيشي للأسر، خصوصاً في بيئة تتسم بارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية. فرفع الدعم وتشديد السياسة النقدية وتحرير العملة قد تكون إجراءات ضرورية من منظور تصحيح الاختلالات، لكنها تحمل كلفة اجتماعية مرتفعة في المدى القصير.
ويبدو أن التحدي الأكبر أمام السلطات النيجيرية يتمثل في كيفية تحويل الاستقرار المالي إلى مكاسب اجتماعية ملموسة، سواء عبر دعم شبكات الحماية الاجتماعية أو تحسين فرص العمل أو تخفيف أثر الإصلاحات على الأسر محدودة الدخل.
النمو المتوقع يبقى معتدلاً
توقع الصندوق أن ينمو الاقتصاد النيجيري بنسبة 4.1 في المائة خلال العام الحالي، على أن يتسارع النمو إلى 4.3 في المائة بحلول 2027. وتمنح هذه التوقعات إشارة إلى تحسن تدريجي، لكنها لا تعني بالضرورة انفراجاً سريعاً في مستويات المعيشة، خصوصاً إذا بقي النمو أقل من الاحتياجات السكانية والضغوط التضخمية.
وتكتسب هذه القراءة أهمية خاصة في بلد يعد من أكبر اقتصادات أفريقيا وأكثرها ارتباطاً بأسواق السلع الأولية، ما يجعل مسار التعافي مرهوناً بعدة عوامل، من بينها استقرار أسعار النفط، وكفاءة إدارة الإيرادات، وقدرة الحكومة على تحسين بيئة الأعمال وجذب رأس المال المنتج.
النفط دعم محتمل ومصدر ضغط في الوقت نفسه
أوضح التقرير أن ارتفاع أسعار النفط العالمية قد يمنح نيجيريا دفعة إضافية في الإيرادات باعتبارها أكبر منتج للنفط في أفريقيا، غير أن هذا العامل ذاته قد يرفع تكاليف الوقود والغذاء في الداخل، ويزيد الضغوط التضخمية، ويعمّق مشكلة الفقر.
وبذلك تجد الحكومة نفسها أمام معادلة معقدة: الاستفادة من موارد النفط لتمويل الإصلاحات وتحسين المالية العامة، من دون أن تتحول الزيادة في الأسعار العالمية إلى عبء إضافي على المستهلكين. ويعتمد نجاح هذه المعادلة على قدرة الدولة على إدارة عوائد الطاقة بكفاءة وتوجيهها إلى الاستثمار في البنية الأساسية والإنتاج.
ما الذي يعنيه ذلك لبيئة الأعمال في نيجيريا؟
تقدم مراجعة صندوق النقد صورة مزدوجة لاقتصاد نيجيريا. فمن جهة، هناك تحسن واضح في الاستقرار النقدي والمالي، وعودة تدريجية للثقة، وارتفاع في الاحتياطات، واستقطاب لرأس المال الخارجي. ومن جهة أخرى، لا تزال مستويات الفقر مرتفعة والضغوط الاجتماعية حاضرة، ما يعني أن الإصلاحات لم تصل بعد إلى مرحلة جني ثمارها على نطاق واسع.
بالنسبة لبيئة الأعمال، يمثل هذا الوضع إشارة إلى أن السوق النيجيرية قد تكون أكثر قابلية للتعامل مع المستثمرين، لكن المخاطر لا تزال مرتفعة، خاصة إذا ظل التمويل قصير الأجل هو المصدر الأبرز للتدفقات. لذلك، فإن استمرار الإصلاحات، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتحسين الحوكمة الاقتصادية، ستكون عناصر حاسمة لتحويل الاستقرار الحالي إلى نمو مستدام وشامل.
وفي المحصلة، يخلص تقييم الصندوق إلى أن نيجيريا نجحت في إرساء قدر أكبر من الانضباط الاقتصادي، لكن الاختبار الحقيقي لا يزال قائماً: هل تستطيع هذه الإصلاحات أن تترجم إلى تحسن في الدخل والوظائف والأمن الغذائي، أم تبقى مجرد مكسب على مستوى المؤشرات الكلية؟