شهدت البيتكوين تراجعا جديدا في التعاملات الأخيرة، لتهبط إلى ما دون مستوى 60 ألف دولار للمرة الأولى منذ أكتوبر 2024، في إشارة إلى عودة الضغوط إلى سوق الأصول الرقمية بعد فترة من المكاسب القوية.
وانخفضت العملة المشفرة الأكبر في العالم بنحو 6% عند الساعة 16:15 بتوقيت غرينتش، لتسجل 59770.90 دولارا، قبل أن تقلص جزءا محدودا من خسائرها لاحقا. ويعني ذلك أن العملة فقدت قرابة نصف قيمتها مقارنة بذروتها التاريخية التي اقتربت من 110 آلاف دولار خلال خريف العام الماضي.
ضغوط بيعية ومزاج حذر في السوق
يرى متابعون للسوق أن التراجع الأخير لا يرتبط فقط بتحركات المضاربين، بل يتغذى أيضا من عامل نفسي مهم يتمثل في تغير توقعات المستثمرين بشأن قدرة البيتكوين على الحفاظ على مستوياتها المرتفعة. ومع كسر حاجز 60 ألف دولار، تتجدد مخاوف المستثمرين الأفراد والمؤسسات من احتمال دخول السوق في مرحلة تصحيح أعمق.
وأشارت إيما بيرنو، المستشارة في شركة يوروز آيجنسي، إلى أن جزءا من الهبوط ارتبط بعملية بيع مفاجئة نفذتها إحدى الشركات، وهو ما ضغط على المعنويات في سوق حساسة للغاية لأي إشارة على تخفيف حيازة كبار المستثمرين.
وفي أسواق العملات المشفرة، كثيرا ما يتجاوز أثر الصفقات الكبيرة قيمتها المالية الفعلية، لأن الرسالة التي ترسلها إلى المتعاملين تكون أوسع من حجم البيع نفسه. وهذا ما يبدو أنه حدث في هذه الحالة، حيث اعتبر المستثمرون الخطوة مؤشرا على أن حتى الجهات المعروفة بتبنّي استراتيجية الاحتفاظ الطويل قد تعيد النظر في مراكزها عند الحاجة.
ماذا فعلت شركة ستراتيجي؟
أثار إعلان شركة ستراتيجي، إحدى أبرز الشركات المالكة للبيتكوين، قلقا واضحا في السوق بعدما كشفت عن بيع 32 وحدة بيتكوين من احتياطياتها، في أول عملية تصفية من هذا النوع منذ سنوات. وعلى الرغم من أن القيمة الفعلية للصفقة بقيت محدودة، فإن وقعها الرمزي كان كبيرا لأن الشركة ارتبط اسمها لفترة طويلة باستراتيجية التراكم المستمر وعدم البيع.
وبحسب بيرنو، فإن السوق كانت تفترض على نطاق واسع أن ستراتيجي لن تفرط في أي جزء من احتياطياتها، وأنها ستواصل شراء البيتكوين أو الاحتفاظ به بصرف النظر عن التقلبات. لذلك، فإن مجرد حدوث بيع واحد أعاد فتح النقاش حول متانة السردية التي دعمت السعر في الأشهر الماضية.
ويرى محللون أن مثل هذه التحركات قد تدفع بعض المتداولين إلى إعادة تقييم مستويات الدعم القريبة، خصوصا إذا تزامنت مع ضعف في السيولة أو ازدياد في أوامر البيع. وفي المقابل، قد ينظر بعض المستثمرين طويل الأجل إلى الهبوط باعتباره فرصة لبناء مراكز جديدة عند أسعار أقل.
الدعم التنظيمي لا يكفي وحده
رغم الضغوط الحالية، ما زالت هناك عوامل قد تقدم دعما للقطاع على المدى المتوسط، وفي مقدمتها التقدم الذي أحرزته بعض التشريعات الأمريكية الداعمة لصناعة العملات المشفرة. ويظل هذا العامل من العناصر التي يراقبها المستثمرون عن كثب لأنه قد يساهم في تعزيز الثقة المؤسسية وتوسيع قاعدة الاستخدام والاستثمار.
غير أن التحسن التنظيمي لا ينعكس دائما بشكل مباشر على السعر، خاصة عندما تتعرض السوق لعمليات جني أرباح أو تخارج مفاجئ من قبل جهات كبيرة. كما أن البيتكوين، رغم مكانتها كأكبر أصل رقمي، تبقى شديدة الحساسية لعوامل السيولة وتبدل شهية المخاطرة في الأسواق العالمية.
ويعكس المسار الحالي مفارقة معروفة في أسواق الكريبتو: فالعوامل الداعمة على المدى الطويل قد تتزامن أحيانا مع تراجع حاد على المدى القصير. وفي هذه الحالات، لا يكون الاتجاه العام وحده كافيا لوقف الهبوط إذا غلبت المخاوف الفورية على حساب التوقعات المستقبلية.
تأثير السياسة الأمريكية على موجة الصعود السابقة
وكان انتخاب دونالد ترامب لولاية ثانية في البيت الأبيض في نوفمبر 2024، في ظل دعمه المعلن لقطاع العملات المشفرة، أحد العوامل التي عززت موجة التفاؤل السابقة ودفعـت البيتكوين إلى مستويات قاربت 110 آلاف دولار. وقد استفاد السوق حينها من رهانات على بيئة تنظيمية أكثر مرونة ونبرة سياسية أقرب إلى الابتكار المالي الرقمي.
لكن هذا الزخم لم يمنع السوق من التعرض لتقلبات حادة لاحقا، ما يؤكد أن البيتكوين ما زالت تتحرك ضمن نطاق من الحساسية العالية للأخبار والتوقعات والقرارات المؤسسية. وبين الوعود التنظيمية والضغوط البيعية، تواصل العملة الرقمية الأكبر اختبار قدرة المستثمرين على الصبر وتحمل التذبذب.
وفي المدى القريب، سيظل التركيز منصبا على ما إذا كان الهبوط دون 60 ألف دولار مجرد تصحيح مؤقت، أم بداية لمسار أطول من إعادة التسعير في سوق لا تزال تتأثر بسرعة بأي تغيير في سلوك كبار اللاعبين.