الأعمال والاقتصاد الرقمي 11-Jun-2026 6 دقائق قراءة

تأجيل مشاريع تكرير في الصين يضغط على الطلب ويكشف هشاشة السوق النفطية

أرجأت شركات تكرير صينية تشغيل مشروعين كبيرين بطاقة إجمالية تبلغ 500 ألف برميل يومياً، في ظل اضطرابات إمدادات الشرق الأوسط وتراجع هوامش الربح وضعف الطلب المحلي على الوقود. التطورات تعكس تأثير الحرب الإقليمية على قرارات الاستثمار في قطاع التكرير الآسيوي.

تأجيلات جديدة في قطاع التكرير الصيني

أرجأت شركات تكرير في الصين بدء تشغيل مشروعين كبيرين كان مقرراً دخولهما الخدمة خلال العام الجاري، في خطوة تعكس الضغوط المتزايدة التي يواجهها قطاع الطاقة مع اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط وارتفاع تكلفة الخام في الأسواق العالمية. ويبلغ إجمالي الطاقة الإنتاجية للمشروعين نحو 500 ألف برميل يومياً، وهو حجم يجعل التأجيل مؤثراً في خطط التوسع داخل أكبر دولة مستوردة للنفط الخام في العالم.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتعرض فيه شركات التكرير لضغوط مزدوجة: من جهة ارتفاع أسعار النفط الخام بعد اضطراب مسارات الإمداد، ومن جهة أخرى تراجع استهلاك الوقود داخل السوق الصينية، بما يقلص جدوى التشغيل السريع لمصافي جديدة أو محدثة.

مشروع هابكو يتأخر إلى الخريف

أحد المشروعين يعود إلى شركة هواجين أرامكو للبتروكيماويات، المعروفة باسم «هابكو»، وهي مشروع مشترك يضم «أرامكو السعودية» ومجموعة «نورينكو» الصينية الحكومية للصناعات الدفاعية ومجموعة «بانجين شينتشنغ» الصناعية. وكانت الشركة تخطط لبدء تشغيل المصفاة التي تبلغ طاقتها 300 ألف برميل يومياً في مدينة بانجين شمال شرقي الصين خلال مايو أو يونيو، لكن مصادر مطلعة قالت إن الموعد الجديد أصبح بين سبتمبر وأوائل أكتوبر.

وبحسب تقديرات استشارية متخصصة، فإن تشغيل المصفاة مرهون بوضوح أكبر بشأن تدفقات الخام، خصوصاً مع حالة عدم اليقين المرتبطة بممرات الشحن الحيوية في المنطقة. ويشمل المشروع أيضاً وحدات بتروكيماوية كبيرة، من بينها وحدة تكسير الإيثيلين بطاقة 1.65 مليون طن سنوياً، ووحدة لإنتاج الباراكسيلين بطاقة مليوني طن سنوياً.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التأجيل لا يقتصر على جانب تكرير الوقود فقط، بل يمتد إلى سلاسل القيمة الأوسع في قطاع البتروكيماويات، حيث تعتمد المشاريع المتكاملة على استقرار الإمدادات وتوقعات الطلب على المنتجات النهائية.

توقف غير محدد في مصفاة داليان

أما المشروع الثاني فيتعلق بوحدة تكرير خام بطاقة 200 ألف برميل يومياً داخل مصفاة داليان التابعة لشركة بتروتشاينا، حيث أفادت مصادر بأن إعادة تشغيل الوحدة تأجلت إلى أجل غير مسمى. وكانت التقديرات السابقة تشير إلى تشغيلها في منتصف العام تقريباً، ضمن خطة للاستفادة من هوامش معالجة أفضل، خصوصاً في ظل واردات النفط الروسي المخفّض السعر.

لكن تلك المعادلة تغيرت سريعاً. فمع اضطراب الإمدادات العالمية واشتداد المنافسة على الخام الروسي، تراجعت الخصومات السعرية بدرجة كبيرة، ما أضعف الحافز الاقتصادي لإعادة التشغيل السريع. وفي هذا السياق، أصبحت قرارات الشركات أكثر حذراً، إذ توازن بين تكلفة الخام، وهوامش التكرير، ومستويات الطلب الفعلية في السوق المحلية.

هوامش الربح تحت الضغط

تواجه مصافي التكرير الصينية بيئة تشغيل أصعب من السابق. فارتفاع أسعار الخام نتيجة التوترات الجيوسياسية يضغط على المدخلات، بينما تفرض السلطات سقوفاً على أسعار الوقود النهائي، وهو ما يحد من قدرة الشركات على تمرير الزيادة إلى المستهلك. وفي الوقت نفسه، أدى نمو سوق السيارات الكهربائية إلى إضعاف الطلب على بعض أنواع الوقود التقليدي، خاصة في فئات الاستخدام الحضري والتنقل اليومي.

هذه العوامل مجتمعة انعكست على معدلات التشغيل. فقد هبط حجم معالجة النفط في المصافي الصينية إلى نحو 13.3 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2022. ويمثل ذلك نحو 69 في المائة من الطاقة الإنتاجية الإجمالية المقدرة بنحو 19.2 مليون برميل يومياً، بحسب البيانات المتاحة.

ويعني هذا أن جزءاً مهماً من البنية التكريرية في الصين يعمل دون كامل طاقته، في إشارة إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بوفرة المعروض من الخام، بل أيضاً بضعف الديناميات التجارية داخل سوق المشتقات النفطية.

آسيا تقود الإضافات الجديدة في الطاقة التكريرية

رغم موجة التأجيلات في الصين، لا تزال آسيا المنطقة الأبرز في إضافة طاقة تكريرية جديدة خلال العام. ففي الهند، من المتوقع أن تضيف شركتا «هندوستان بتروليوم» و«إنديان أويل كورب»، وهما شركتان مملوكتان للدولة، نحو 526 ألف برميل يومياً إلى الطاقة التكريرية هذا العام.

لكن تنفيذ هذه الخطط ليس معزولاً عن التعقيدات التشغيلية. فقد تأخر مشروع «بارمر» التابع لـ«هندوستان بتروليوم» عدة أشهر بسبب حريق، وأعلنت الشركة أنها تتوقع بدء العمليات بطاقة أولية تبلغ 60 في المائة هذا الشهر. كما قالت «إنديان أويل كورب» إن أعمال التوسعة في مصافي باراوني وغوجارات وبانيبات ستُستكمل على مراحل خلال الأشهر المقبلة.

وتوضح هذه التطورات أن التوسع في طاقة التكرير الآسيوية لم يعد مجرد مسألة تمويل وإنشاءات، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمخاطر الإمداد، وتعقيدات السوق، وتكلفة التمويل، والتحولات في أنماط الطلب على الطاقة.

رسائل إلى سوق النفط العالمية

التأجيلات الصينية تحمل دلالة أوسع تتجاوز حدود المشروعين نفسيهما. فكلما تباطأ تشغيل طاقات جديدة في أكبر سوق استهلاكية للنفط في العالم، تراجعت الضغوط على واردات الخام، وازدادت الحساسية تجاه أسعار النفط الدولية. كما أن أي تباطؤ في المصافي الآسيوية ينعكس على حركة الشحن والتجارة وأسعار المنتجات المكررة، ويؤثر في قرارات المنتجين والمستوردين على حد سواء.

وفي بيئة كهذه، تصبح الاستثمارات في التكرير أكثر ارتباطاً بالاستقرار الجيوسياسي وبقدرة الأسواق على استيعاب الفائض أو العجز في الإمدادات. ومع استمرار الضبابية المحيطة بالشرق الأوسط، يبدو أن شركات الطاقة ستظل مضطرة إلى تعديل جداولها التشغيلية وفق متغيرات سياسية وتجارية سريعة التبدل.

وبينما تتقدم آسيا في بناء قدرات جديدة، تكشف التأجيلات الأخيرة أن النمو في قطاع التكرير لم يعد خطاً مستقيماً، بل مساراً يتأثر في كل مرحلة بتقلبات الخام، وهوامش الربح، والتحولات الهيكلية في الطلب العالمي على الوقود.