ضغط مزدوج على المعدن الأصفر
سجلت أسعار الذهب تراجعاً جديداً في التعاملات الأخيرة، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ نحو أسبوع، في وقت دفعت فيه التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أسعار النفط إلى الارتفاع، بينما واصل الدولار الأميركي التقدم قرب أعلى مستوياته الأسبوعية. هذا المزيج من العوامل قلّص جاذبية الذهب، الذي لا يدر عائداً مباشراً، ورفع كلفة الاحتفاظ به مقارنة بالأصول ذات العائد.
وتراجعت الأسعار الفورية للمعدن النفيس بنسبة طفيفة بلغت 0.1 في المائة لتستقر عند 4100.32 دولار للأوقية، بعدما لامست في وقت سابق من الجلسة أدنى مستوى منذ 2 يوليو. كما هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 1.1 في المائة إلى 4112.50 دولار للأوقية، في إشارة إلى استمرار ضغوط البيع على السوق.
النفط والدولار يعيدان تشكيل المعادلة
جاءت موجة التراجع بعد تصعيد عسكري أميركي جديد ضد إيران، تزامن مع إلغاء الترخيص الذي كان يسمح لطهران ببيع النفط، عقب هجمات استهدفت ثلاث ناقلات في مضيق هرمز. وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الخام الأميركي بنحو 3 في المائة، ما زاد المخاوف المرتبطة بالتضخم العالمي وتكاليف الطاقة، ورفع احتمالات تشدد السياسة النقدية الأميركية لفترة أطول.
في الوقت نفسه، حافظ الدولار على قوته أمام معظم العملات الرئيسية، وهو عامل سلبي تقليدياً للذهب لأنه يجعل شراءه أكثر كلفة لحائزي العملات الأخرى. وعندما يتزامن صعود الدولار مع ارتفاع عوائد الأصول الآمنة الأخرى، تتراجع شهية المستثمرين عادة تجاه المعادن النفيسة.
رهانات الفائدة ترتفع من جديد
تزايدت قناعة الأسواق بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يبقي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو يواصل تشديد السياسة النقدية إذا استمرت ضغوط الأسعار. ووفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر إلى أكثر من 67 في المائة، مقارنة بنحو 57 في المائة في اليوم السابق.
هذا التحول في التوقعات يمثل عبئاً إضافياً على الذهب، لأن الفائدة المرتفعة تزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن الذي لا يحقق دخلاً دورياً. ومع استمرار الجدل حول مسار التضخم، بات المستثمرون أكثر حذراً في زيادة مراكزهم في الأصول الدفاعية قصيرة الأجل.
كما يترقب المتعاملون صدور محضر اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية المنعقد يومي 16 و17 يونيو، أملاً في التقاط إشارات أوضح بشأن اتجاه السياسة النقدية خلال الشهور المقبلة، في ظل قيادة جديدة للاحتياطي الفيدرالي.
مؤشرات تضخم قلقلة وتحركات لافتة في آسيا
أظهر تقرير صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن المستهلكين في الولايات المتحدة باتوا أكثر قلقاً حيال الضغوط التضخمية قصيرة الأجل خلال يونيو، وهو ما يعزز الحذر لدى الأسواق المالية. فارتفاع توقعات التضخم قد يحد من أي رهانات مبكرة على خفض الفائدة، ويدعم بقاء العوائد الحقيقية مرتفعة نسبياً.
وفي آسيا، واصل البنك المركزي الصيني شراء الذهب، إذ أظهرت البيانات الرسمية أنه سجل أكبر زيادة شهرية في احتياطياته منذ أكثر من عامين ونصف العام خلال يونيو، رغم تراجع الأسعار العالمية. ويعكس ذلك استمرار توجه البنوك المركزية نحو تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على العملات الرئيسية، خصوصاً في بيئة مليئة بالتوترات التجارية والجيوسياسية.
كما أعلنت السلطات في بكين وهونغ كونغ حزمة إجراءات تهدف إلى تنشيط تداول العملات والسندات والذهب، من بينها إنشاء نظام مركزي لتسوية معاملات الذهب في هونغ كونغ، واستئناف تداول العقود الآجلة للذهب المقومة بالدولار، إلى جانب بحث إطلاق عقود آجلة مقومة باليوان. وتأتي هذه الخطوات في إطار تعزيز دور المدينة كمركز إقليمي لتداول المعدن النفيس.
ضعف جماعي في المعادن النفيسة الأخرى
لم يقتصر الضغط على الذهب وحده، إذ امتدت الخسائر إلى المعادن النفيسة الأخرى. فقد تراجعت الفضة بنسبة 0.3 في المائة لتصل إلى 59.82 دولار للأوقية، بينما هبط البلاتين بنسبة 1.2 في المائة إلى 1620.38 دولار، وانخفض البلاديوم بنسبة 1.6 في المائة إلى 1256.25 دولار للأوقية.
ويعكس هذا الأداء الجماعي حالة الحذر التي تسيطر على سوق المعادن، في ظل تداخل العوامل الجيوسياسية مع توقعات السياسة النقدية الأميركية. وفي العادة، تتحرك هذه الأصول في اتجاهات متقاربة عندما ترتفع العوائد الحقيقية أو يقوى الدولار، خاصة إذا تراجع الطلب على الملاذات الآمنة لصالح النقد والأصول القصيرة الأجل.
قراءة في اتجاه السوق
توضح التطورات الأخيرة أن الذهب ما زال حساساً بشدة لمعادلة مزدوجة: المخاطر الجيوسياسية من جهة، وتوقعات الفائدة والتضخم من جهة أخرى. فعندما ترتفع أسعار الطاقة وتزداد احتمالات التضخم، يفترض أن يستفيد الذهب من دوره التحوطي. لكن إذا صاحَب ذلك صعود في الدولار وتشدد في توقعات الفائدة، فإن تأثير العامل الثاني قد يكون أقوى في الأجل القصير.
وفي هذه المرحلة، يبدو أن السوق يتعامل مع الذهب بوصفه أصلاً يتأرجح بين دعمين متعارضين. فالتوترات الإقليمية توفر له غطاءً تقليدياً، لكن قوة الدولار وميل السياسة النقدية إلى البقاء المتشدد يواصلان كبح أي ارتداد صعودي قوي. ولذلك، سيبقى مسار المعدن مرهوناً بالبيانات الأميركية المقبلة وبأي تطورات جديدة في أسواق الطاقة والشرق الأوسط.