بدأت الأسهم الأوروبية تعاملات الثلاثاء على ارتفاع واضح، لتبقى في طريقها نحو تسجيل أقوى أداء فصلي منذ أكثر من خمس سنوات، في ظل استمرار الرهان على موجة الذكاء الاصطناعي وتراجع الضغوط الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما عزز شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات المخاطر الأعلى.
وارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 0.6 في المائة ليصل إلى 639.77 نقطة بحلول الساعة 08:04 بتوقيت غرينتش. كما اقترب المؤشر من تحقيق مكاسب للشهر الثالث على التوالي، في حين صعد نحو 9.7 في المائة خلال الربع الحالي، ليصبح على مسار أفضل ربع له منذ أكتوبر 2020.
التكنولوجيا تقود موجة الصعود
كان قطاع التكنولوجيا المحرك الأبرز للاتجاه الصاعد، إذ قفز بنحو 1.7 في المائة، ليترسخ على مسار تحقيق أفضل أداء فصلي له منذ أكتوبر 2001. ويعكس ذلك استمرار الطلب القوي على مكونات البنية التحتية التي تغذي تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والخدمات السحابية.
وتشير حركة التداول الأخيرة إلى أن المستثمرين في أوروبا ما زالوا يفضلون الشركات المرتبطة بسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، خاصة مع توقعات بأن يواصل هذا القطاع استقطاب الإنفاق الرأسمالي من شركات التقنية الكبرى حول العالم. كما يبدو القطاع الأوروبي في وضع يسمح له بتجاوز نظيره الأميركي خلال الشهر والربع الحاليين، بحسب أداء المؤشرات حتى الآن.
وفي هذا السياق، ارتفع سهم «إيه إس إم إل» 3.3 في المائة، مدعوماً بموقعها المحوري في معدات الطباعة الضوئية المستخدمة في تصنيع الرقائق الإلكترونية. كما زادت أسهم «إس تي ميكروإلكترونيكس» 3 في المائة، و«إنفينيون» 2.7 في المائة، في إشارة إلى اتساع شهية المستثمرين تجاه شركات أشباه الموصلات الأوروبية.
سيمنز إنرجي تستفيد من الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي
سجل سهم «سيمنز إنرجي» ارتفاعاً بنحو 5 في المائة، بعد تأكيد الشركة استمرار قوة الطلب على معدات البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال مكالمة مع المستثمرين سبقت إعلان نتائجها الفصلية. ويعكس هذا الأداء قناعة متزايدة بأن توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على شركات البرمجيات والرقائق، بل يمتد إلى شركات الطاقة والبنية التحتية الكهربائية التي تدعم تشغيل مراكز البيانات.
وتحظى هذه الفئة من الشركات باهتمام خاص من المستثمرين في الأشهر الأخيرة، مع تزايد الحاجة إلى شبكات طاقة أكثر كفاءة وقدرة على تلبية استهلاك متسارع من الحوسبة السحابية والأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
انحسار التوترات يدعم المعنويات
إلى جانب العوامل القطاعية، ساهم تراجع التوترات في الشرق الأوسط في تحسين المزاج العام في الأسواق الأوروبية. فقد هبطت أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب الإيرانية، وهو ما اعتبرته الأسواق الأوروبية تطوراً إيجابياً نظراً لاعتماد القارة الكبير على واردات الطاقة.
ويخفف تراجع النفط من الضغوط على الشركات الصناعية وعلى المستهلكين على حد سواء، كما يقلص مخاطر ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة في وقت لا تزال فيه التوقعات الاقتصادية في أوروبا حساسة لأي صدمة خارجية. ولهذا السبب، جاء تحسن الأسواق في هذا الربع مدفوعاً بمزيج من العوامل: هدوء نسبي في الجغرافيا السياسية، وتراجع في تكلفة الطاقة، واندفاع مستمر نحو أسهم التكنولوجيا.
الرعاية الصحية تشهد تحركاً انتقائياً
في قطاع الرعاية الصحية، برز سهم «أبيفاكس» بعدما قفز بأكثر من 20 في المائة، عقب إعلان الشركة نتائج أولية إيجابية لدراستها السريرية الخاصة بعقار «أوبيفازيمود». وقد انعكس ذلك على مؤشر القطاع الذي ارتفع 0.9 في المائة، في مؤشر على أن الأسواق ما زالت تكافئ الأخبار الإيجابية المتعلقة بالمراحل السريرية والابتكار الدوائي.
ويأتي هذا التحرك في وقت يواصل فيه المستثمرون البحث عن فرص انتقائية خارج قطاع التكنولوجيا، خصوصاً في الشركات التي تمتلك محفزات تشغيلية أو علمية قد تدعم قيمتها السوقية على المدى القصير والمتوسط. ومع ذلك، بقي الزخم الأوسع موجهاً نحو القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية والرقائق والطاقة.
مخاطر قانونية مرتبطة بالأصول الروسية المجمدة
على صعيد آخر، اتخذت «يوروكلير» خطوة قانونية جديدة برفع دعوى أمام محكمة مدنية بلجيكية ضد البنك المركزي الروسي، في محاولة لمنع تنفيذ حكم قضائي روسي يطالبها بتعويضات هائلة تصل إلى نحو 220 مليار يورو، أو 250 مليار دولار، على خلفية تجميد أصول روسية بموجب العقوبات الأوروبية.
وقالت المؤسسة، التي تتخذ من بروكسل مقراً لها وتعد من أكبر أمناء حفظ الأصول في أوروبا، إنها تصرفت وفق القوانين الأوروبية عند تنفيذ قرار التجميد. كما شدد متحدث باسمها على أن المحاكم الروسية لا تملك ولاية قضائية على المؤسسة، وأن الجهة المخولة بالنظر في النزاع هي المحاكم البلجيكية.
ويأتي النزاع بعد حكم أصدرته محكمة تحكيم في موسكو الشهر الماضي، تبعته أوامر بالتنفيذ الفوري، في خطوة ربطها مراقبون بمحاولة الرد على تجميد الأصول الروسية منذ بداية عام 2022. غير أن التقديرات القانونية تشير إلى أن أثر هذه الأحكام يبقى محدوداً داخل الاتحاد الأوروبي، في ظل الحماية القانونية التي توفرها القوانين الأوروبية لـ«يوروكلير».
وتكمن المخاوف الأساسية في احتمال سعي موسكو إلى ملاحقة أصول المؤسسة خارج الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في الدول التي تعتبرها روسيا صديقة. ويبلغ حجم الأصول الروسية المجمدة في الخارج نحو 300 مليار دولار، يوجد ثلثاها تقريباً داخل أوروبا، ومعظمها لدى «يوروكلير»، ما يجعل الملف واحداً من أكثر الملفات المالية حساسية في المشهد الجيوسياسي الراهن.
أسواق أوروبا بين الذكاء الاصطناعي والسياسة النقدية
تعكس حركة السوق الأوروبية الحالية تداخلاً واضحاً بين عوامل اقتصادية وتكنولوجية وجيوسياسية. فمن جهة، يستفيد المستثمرون من الاندفاع العالمي نحو الذكاء الاصطناعي والرقائق والبنية التحتية الرقمية. ومن جهة أخرى، يظل أي تغير في أسعار الطاقة أو مسار النزاعات الإقليمية قادراً على تبديل اتجاهات التداول بسرعة.
وفي هذا المناخ، تبدو الأسواق الأوروبية في وضع أفضل من بداية العام، مع استفادتها من ضعف نسبي في أسعار الطاقة وعودة الزخم إلى أسهم التكنولوجيا. وإذا استمر هذا التوازن خلال الأيام والأسابيع المقبلة، فقد يرسخ المؤشر الأوروبي القياسي أداءً ربعياً قوياً يضعه في مقدمة مؤشرات الأسواق العالمية خلال الفترة الحالية.