يرسم تقرير مجلس الذهب العالمي للنصف الثاني من عام 2026 صورة لمرحلة شديدة الحساسية في سوق الذهب، إذ تتقاطع فيها عوامل الاقتصاد الكلي مع التوترات الجيوسياسية وتبدلات السياسة النقدية. وبعد انطلاقة اتسمت بتذبذب واضح منذ بداية العام، يبدو المعدن النفيس أمام مزيج من الدعم والضغوط قد يحدد اتجاهه حتى نهاية السنة.
وبحسب التقرير الصادر بعنوان "توقعات الذهب في منتصف عام 2026"، فإن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته كأحد أبرز الأصول العالمية المتأثرة مباشرة بحالة عدم اليقين في الأسواق. فقد سجّل المعدن أكثر من 12 مستوى قياسياً خلال الأشهر الماضية، وبلغ ذروته عند 5,405 دولارات للأونصة في أواخر يناير، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى نحو 4,002 دولارات في يونيو. ورغم هذا الهبوط، يبقى الذهب من بين أفضل الأصول أداءً مقارنة بالعديد من الأدوات الاستثمارية الأخرى خلال الفترة نفسها.
ويُظهر هذا التحول السريع في الأسعار أن سوق الذهب بات أكثر حساسية للتطورات العالمية المتشابكة، سواء كانت مرتبطة بالنزاعات السياسية أو بمسار العوائد الحقيقية للدولار وأسعار الفائدة. كما أن الارتفاع الملحوظ في التقلبات، الذي وصل إلى 30%، يعكس تحرك المستثمرين بسرعة بين البحث عن الملاذ الآمن وجني الأرباح عندما ترتفع الأسعار بوتيرة حادة.
التوترات الجيوسياسية تبقى العامل الأبرز
يرى مجلس الذهب العالمي أن العامل الأكثر تأثيراً في أداء الذهب خلال النصف الأول من العام كان ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، ولا سيما التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وقد ساعد هذا المناخ على تعزيز الطلب على الذهب بوصفه أداة تحوط تقليدية في أوقات الاضطراب، خاصة لدى المستثمرين الباحثين عن حماية المحافظ من الصدمات المفاجئة.
لكن هذا الدعم لم يكن خطياً أو دائماً. فمع كل موجة صعود، كانت تظهر عمليات بيع لجني الأرباح تحد من استمرار الزخم، بينما ظل جانب آخر من السوق يعيد التسعير وفقاً للتوقعات المتبدلة حيال التضخم وسياسات البنوك المركزية. ونتيجة لذلك، تحرك الذهب في مسار متقلب أكثر من كونه اتجاهاً صعودياً ثابتاً.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن جزءاً كبيراً من حركة الأسعار جرى خلال جلسات التداول الآسيوية والأمريكية، وهو ما يعكس الدور المتنامي للمستثمرين في آسيا في تشكيل السعر العالمي للذهب. هذا التطور مهم لأنه يوضح أن مركز الثقل في تسعير الذهب لم يعد محصوراً في منطقة واحدة، بل بات نتاجاً لتفاعل واسع بين أسواق متعددة.
الفائدة والدولار يعيدان رسم المشهد
مع دخول النصف الثاني من 2026، يتوقع التقرير أن تظل أسعار الفائدة من العوامل الحاسمة في تحديد اتجاه الذهب. وتشير تقديرات السوق إلى احتمال قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة مرة واحدة على الأقل خلال العام، على أن تكون الزيادة المرجحة في أكتوبر، إلى جانب تشديد نقدي من بنك إنجلترا وبنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، يتوقع التقرير أن يبلغ التضخم الأمريكي ذروته عند نحو 3.9% في الربع الثاني، وهو ما يضع الذهب في مواجهة مباشرة مع معادلة معقدة: إذا استمر التضخم عند مستويات مرتفعة بينما بقيت العوائد الحقيقية محدودة، فقد يحتفظ الذهب بجاذبيته. أما إذا جاءت زيادات الفائدة أعلى من المتوقع أو ارتفع الدولار بقوة، فإن المعدن الأصفر قد يواجه ضغوطاً إضافية.
هذه المعادلة تعني أن الذهب لم يعد يستجيب فقط لعناوين الأزمات، بل أيضاً لحسابات دقيقة تتعلق بتكلفة الفرصة البديلة. فعندما ترتفع عوائد السندات أو يقوى الدولار، تصبح حيازة الذهب أقل جاذبية لبعض المستثمرين لأنه لا يدر عائداً دورياً. لكن في المقابل، تعيد موجات عدم اليقين السياسي أو الاقتصادي تفعيل دوره كأصل دفاعي.
نطاق متوقع قرب 4100 دولار للأونصة
في ظل توازن العوامل الصاعدة والهابطة، يرجح مجلس الذهب العالمي أن يتحرك الذهب في نطاق يقارب 5% صعوداً أو هبوطاً حول مستوى 4,100 دولار للأونصة حتى نهاية العام، إذا استمرت الظروف الحالية من دون تغييرات جوهرية. ويعني ذلك أن السوق قد يدخل مرحلة استقرار نسبي بعد موجة التذبذب الحادة التي ميزت الشهور الماضية، لكن من دون أن يفقد حساسيته تجاه أي خبر كبير.
ويشير التقرير إلى أن تجاوز مستوى 4,500 دولار للأونصة لن يكون مرجحاً إلا إذا ظهرت مؤشرات قوية على تباطؤ الاقتصاد العالمي أو عاد القلق الجيوسياسي إلى مستويات أعلى بكثير. وفي المقابل، فإن ارتفاع الدولار أو زيادة الفائدة بوتيرة أسرع من المتوقع قد يشكلان أكبر عاملين للضغط على الأسعار.
أما إذا هبط الذهب واستقر دون مستوى 4,000 دولار لفترة أطول، فقد تتسع موجات البيع في السوق. ومع ذلك، فإن أي تراجع يتجاوز 10% عن المستويات الحالية قد يجذب طلباً من المشترين طويلي الأجل، سواء من الأفراد أو المؤسسات أو حتى البنوك المركزية، استناداً إلى سلوك تاريخي متكرر في أسواق الذهب العالمية.
الطلب الهيكلي ما زال يدعم السوق
يؤكد التقرير أن قوة الذهب لا تقوم على عامل واحد فقط، بل على طلب هيكلي مستمر من أطراف متعددة، تشمل البنوك المركزية والمستثمرين والمؤسسات والمستهلكين في أسواق مختلفة. هذا الطلب الطويل الأجل يمنح الذهب قدرة على امتصاص الصدمات والعودة إلى التوازن بعد فترات الضغط.
كما أن تنوع مصادر الطلب يجعل المعدن النفيس أقل ارتباطاً بدورة اقتصادية واحدة وأكثر تعبيراً عن مزاج الاقتصاد العالمي بأكمله. ففي أوقات الاضطراب، يرتفع الإقبال عليه كوسيلة تحوط. وفي فترات الاستقرار النسبي، يعاود التحرك بناءً على توقعات الفائدة والتضخم وقوة الدولار.
ويبدو أن هذا التوازن هو ما يمنح الذهب مكانته الحالية في المحافظ الاستثمارية العالمية. فهو ليس أصل نمو بقدر ما هو أصل حماية، لكنه في الوقت نفسه قادر على تحقيق مكاسب كبيرة عندما تتغير الظروف بسرعة. ولهذا السبب يظل الذهب مادة أساسية في نقاشات المستثمرين خلال 2026، خصوصاً مع استمرار الضبابية حول مسار السياسة النقدية العالمية.
سوق عالمي أكثر حساسية من أي وقت مضى
توضح قراءة مجلس الذهب العالمي أن سوق الذهب في 2026 دخل مرحلة شديدة الترابط مع الاقتصاد الكلي العالمي، بحيث أصبحت التحركات السعرية انعكاساً مباشراً لأخبار الفائدة والتضخم والصراعات الدولية. وهذا يعني أن المستثمرين لم يعودوا يراقبون الذهب بوصفه سلعة تقليدية فقط، بل باعتباره مؤشراً سريع الاستجابة على مستوى القلق أو الارتياح في النظام المالي العالمي.
وبينما تبقى السيناريوهات مفتوحة على نطاق واسع، فإن الرسالة الأساسية للتقرير واضحة: الذهب ما زال يتمتع بأساسيات قوية، لكن مساره في النصف الثاني من العام سيعتمد على قدرة الأسواق على استيعاب موجة التشديد النقدي، وعلى ما إذا كانت الجغرافيا السياسية ستبقى تحت السيطرة أم ستعود لتفرض نفسها بقوة على التداولات.