12-Jul-2026 6 دقائق قراءة

بيانات الوظائف الأميركية الضعيفة تضغط على عوائد السندات وتخفف رهانات التشديد النقدي

تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بعد صدور بيانات أضعف من المتوقع عن التوظيف والتصنيع، إلى جانب تصريحات من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي عززت الرهانات على تباطؤ وتيرة التشديد النقدي.

تراجع العوائد بعد بيانات اقتصادية أضعف من المتوقع

أنهت عوائد سندات الخزانة الأميركية جلسة منتصف الأسبوع على مسار هابط بعد بداية قوية، إذ دفعت مجموعة من المؤشرات الاقتصادية المخيبة المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم لمسار الفائدة. وجاء التحول في المزاج السوقي بالتزامن مع تصريحات من داخل الاحتياطي الفيدرالي أشارت إلى أن ضغوط التضخم قد هدأت نسبياً خلال الأسابيع الأخيرة، ما ساعد على كبح الارتفاع الذي سجلته العوائد في بداية التعاملات.

وبعد أن لامس العائد على السندات الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى أعلى خلال الجلسة، تراجع في الإغلاق إلى 4.465 في المائة، بارتفاع يومي محدود مقارنة بالقفزة التي سجلها في وقت سابق. أما العائد على السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، فاستقر عند 4.15 في المائة بعد أن صعد لفترة وجيزة إلى أعلى مستوى له في أسبوع.

وجاء هذا التراجع النسبي في العوائد في وقت كانت الأسواق تتعامل فيه مع مزيج من بيانات تباطؤ سوق العمل وضعف الزخم الصناعي، وهو ما أعطى الانطباع بأن الاقتصاد الأميركي قد يكون أقل قدرة على تحمّل تشديد إضافي سريع من البنك المركزي.

الوظائف الخاصة والتصنيع يبعثان إشارات تباطؤ

أظهرت بيانات شركة «إيه دي بي» أن القطاع الخاص الأميركي أضاف 98 ألف وظيفة فقط في يونيو، وهو مستوى دون توقعات السوق ودون قراءة الشهر السابق. ويمثل هذا التطور إشارة إضافية إلى أن وتيرة التوظيف بدأت تفقد الزخم، خصوصاً مع استمرار الضغوط في بعض القطاعات المرتبطة بالطلب الاستهلاكي والنشاط الخدمي.

وتباين الأداء القطاعي داخل التقرير؛ إذ تحسن التوظيف في الخدمات المالية وتقنية المعلومات، بينما بقيت قطاعات أخرى أكثر هشاشة، من بينها الترفيه والضيافة. كما سجل قطاع التعدين فقداناً للوظائف، في حين أضاف التصنيع عدداً محدوداً من الوظائف، ما يعكس نمواً غير متوازن في سوق العمل.

وفي موازاة ذلك، جاء تقرير معهد إدارة التوريدات ليضيف طبقة أخرى من الحذر. فقد تراجع مؤشر مديري المشتريات الصناعي في يونيو إلى 53.3 نقطة من 54 نقطة في مايو، وهي قراءة ما زالت فوق مستوى 50 الفاصل بين الانكماش والنمو، لكنها تعكس تباطؤاً واضحاً مقارنة بالشهر السابق. كما انخفض مؤشر الأسعار المدفوعة للمدخلات، لكنه بقي عند مستوى مرتفع، ما يعني أن ضغوط التكلفة لم تتبدد بالكامل رغم التراجع الأخير.

رهانات الفائدة تتراجع في الأسواق

أثرت هذه البيانات مباشرة في توقعات المتعاملين حيال قرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة. ووفق أداة «فيد ووتش»، انخفضت احتمالات رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع يوليو إلى 27.3 في المائة، مقارنة بنسبة أعلى في الجلسة السابقة. كما تراجعت احتمالات الرفع في سبتمبر إلى 63.4 في المائة، في إشارة إلى أن السوق بدأت تعطي وزناً أكبر لاحتمال أن يفضّل صناع السياسة التمهل في التشديد.

ويرى بعض المحللين أن البيئة الحالية، التي تجمع بين تباطؤ التوظيف وتراجع أسعار النفط وانخفاض بعض المقاييس التضخمية المستخرجة من الأسواق، تجعل أي رفع إضافي للفائدة أقل جاذبية من الناحية الاقتصادية. فالتشديد النقدي في مرحلة ضعف النشاط قد يزيد الضغوط على الشركات والأسر ويعمّق مسار التباطؤ.

في المقابل، لم تغير الرسائل الصادرة عن مسؤولي الفيدرالي التزام البنك المركزي بهدف التضخم البالغ 2 في المائة. لكن لهجة أكثر هدوءاً بشأن المخاطر السعرية كانت كافية لدفع المستثمرين إلى تعديل مراكزهم في سوق السندات، إذ أصبحت الرهانات تميل أكثر إلى أن دورة التشديد قد تكون أقرب إلى نهايتها، أو على الأقل إلى تباطؤها.

منحنى العوائد يعكس قراءة أكثر حذراً للاقتصاد

على مستوى آجال الاستحقاق الأطول، ارتفع العائد على السندات لأجل 30 عاماً إلى 4.962 في المائة، بينما بقي الفارق بين عوائد السندات لأجل عامين وعشرة أعوام عند مستوى موجب بلغ 31.1 نقطة أساس. ويعكس هذا المنحنى قراءة الأسواق لتوقعات النمو والتضخم خلال الفترة المقبلة، إلى جانب تقديرها لمسار الفائدة القصير الأجل.

وعادة ما يشير اتساع أو تغير شكل منحنى العائد إلى إعادة تسعير توقعات المستثمرين بشأن الاقتصاد. وفي هذه الحالة، يبدو أن المتعاملين باتوا أكثر اقتناعاً بأن البيانات الأخيرة تحمل رسالة تباطؤ، حتى لو لم تصل بعد إلى مستوى انكماش صريح. وهذا ما يفسر تراجع العوائد عن ذروتها اليومية رغم بقائها أعلى من مستويات الأيام السابقة.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن عوائد السندات تمثل مرجعاً أساسياً لتسعير التمويل في الاقتصاد الأميركي، من الرهون العقارية إلى القروض الشركاتية. وبالتالي فإن أي تحرك حاد فيها ينعكس بسرعة على أسواق الأسهم والسلع والدولار، كما يؤثر في قرارات الاستثمار والاقتراض.

الأسواق تترقب بيانات الوظائف الرسمية

تتجه أنظار المستثمرين الآن إلى التقرير الرسمي للوظائف غير الزراعية، الذي يُعد المؤشر الأهم لتقييم قوة سوق العمل الأميركية. وإذا جاءت القراءة المقبلة أضعف من المتوقع، فقد تعزز قناعة الأسواق بأن الاقتصاد يقترب من مرحلة أكثر هدوءاً، ما قد يضغط على العوائد مجدداً ويدعم الأصول التي تستفيد من تراجع الفائدة.

أما إذا فاجأت البيانات بالمتانة، فقد تعود العوائد إلى الصعود سريعاً مع إعادة التسعير نحو مسار نقدي أكثر تشدداً. وفي كلتا الحالتين، ستبقى السوق شديدة الحساسية لأي إشارة جديدة تتعلق بالتوظيف، والتصنيع، وتوجهات الفيدرالي.

وبينما يواصل المستثمرون موازنة مخاطر التضخم مع مؤشرات التباطؤ، تبدو الرسالة الأوضح من جلسة الأربعاء أن البيانات الاقتصادية الضعيفة ما زالت قادرة على تغيير اتجاهات الأسواق بسرعة، خصوصاً عندما تأتي في لحظة يترقب فيها الجميع الخطوة التالية للبنك المركزي الأميركي.