انكماش متجدد في يونيو
واصل قطاع الخدمات في روسيا التراجع خلال يونيو، بعدما أظهرت أحدث قراءة لمسح الأعمال أن النشاط بقي دون مستوى النمو للشهر الثاني على التوالي، في إشارة إلى أن ضعف الطلب ما زال يضغط على الشركات العاملة في أحد أكبر مكونات الاقتصاد غير النفطي.
وانخفض مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات إلى 48.2 نقطة في يونيو مقابل 48.7 نقطة في مايو، وهو ما يعني أن القطاع ظل في منطقة الانكماش. وتُستخدم قراءة الخمسين نقطة كحد فاصل بين التوسع والتراجع، ما يجعل هذا الانخفاض دليلاً إضافياً على استمرار تباطؤ الزخم الاقتصادي.
وربطت الشركات المشاركة في المسح هذا الأداء الضعيف بتراجع إقبال العملاء، إلى جانب استمرار هبوط الطلبيات الجديدة، الأمر الذي انعكس مباشرة على مستويات الإنتاج والعمالة والهوامش التشغيلية.
الطلب الجديد يسجل أضعف وتيرة منذ 2022
تراجعت الطلبيات الجديدة للشهر الثالث على التوالي، لكن وتيرة الهبوط تسارعت لتصل إلى أسرع مستوى لها منذ ديسمبر 2022. ويعكس ذلك ضعف القدرة الشرائية لدى المستهلكين وتزايد الضغوط المالية على الأسر والشركات، وهي عوامل تحد من إنفاق القطاع الخاص وتؤخر قرارات الشراء.
كما انخفض الإنتاج للشهر الرابع على التوالي، مسجلاً أسرع وتيرة تراجع منذ سبتمبر 2025. وتشير هذه البيانات إلى أن الشركات لم تعد تكتفي بتقليص التوسعات، بل بدأت تخفض النشاط الفعلي استجابةً لتراجع الطلب وتضاؤل فرص التعافي السريع.
ويُنظر عادة إلى استمرار هبوط الطلبيات والإنتاج معاً باعتباره مؤشراً على ضعف الدورة الاقتصادية في القطاع الخدمي، خصوصاً عندما يتزامن مع تراجع الثقة في الأسواق المحلية.
التوظيف تحت ضغط خفض التكاليف
امتد أثر التباطؤ إلى سوق العمل داخل الشركات الخدمية، إذ تراجع التوظيف للشهر الخامس على التوالي. وأفادت الشركات بأنها تلجأ إلى ضبط النفقات وعدم تعويض الموظفين المغادرين، في محاولة للحفاظ على السيولة وتقليل الأعباء التشغيلية.
وسجلت وتيرة الاستغناء عن العمالة أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات ونصف، بينما استمرت الأعمال المتراكمة في الانخفاض بوتيرة هي الثانية الأسرع منذ ديسمبر 2022. وهذا يعني أن الشركات لا تواجه فقط ضعف الطلب الحالي، بل أيضاً تراجعاً في حجم الأعمال غير المنجزة التي كانت تدعم النشاط في الفترات السابقة.
ويعكس هذا النمط أن الضغوط لا تقتصر على جانب الإيرادات، بل تمتد إلى هيكل التكاليف والقرارات المتعلقة بالتوظيف، وهو ما قد يطيل أمد التباطؤ إذا لم يتحسن الطلب الداخلي.
ضغوط الأسعار تتراجع مع تباطؤ التكاليف
على الجانب الإيجابي، خفّت ضغوط الأسعار خلال يونيو بشكل أوضح. فقد تباطأ تضخم تكاليف المدخلات للشهر الخامس على التوالي، ليصل إلى أدنى مستوى منذ بداية العام، في حين تراجع تضخم أسعار البيع إلى أبطأ وتيرة منذ يناير 2021.
وقالت بعض الشركات إنها لجأت إلى تقديم خصومات من أجل دعم المبيعات وتحفيز الطلب، وهو ما ساهم في كبح أسعار البيع. وقد يفيد هذا التوجه المستهلكين على المدى القصير، لكنه يعكس في الوقت نفسه هامشاً أضيق لتحقيق الأرباح لدى الشركات التي تحاول الحفاظ على نشاطها في بيئة ضعيفة.
ويشير تباطؤ التضخم في القطاع الخدمي إلى أن ضعف الطلب أصبح عنصراً رئيسياً في معادلة الأسعار، بعدما كانت ضغوط التكاليف في فترات سابقة أحد المحركات الأساسية لارتفاعها.
ثقة حذرة رغم ضعف المشهد الحالي
رغم الصورة السلبية الراهنة، ما زالت الشركات تحتفظ بقدر من التفاؤل بشأن الإنتاج خلال الاثني عشر شهراً المقبلة. غير أن مستوى الثقة لم يتحسن إلا بشكل محدود مقارنة بأدنى مستوى سجله في نحو ثلاث سنوات ونصف خلال مايو، ما يبقي المعنويات عند ثاني أضعف مستوى منذ ديسمبر 2022.
ويعني ذلك أن الشركات لا تزال تراهن على تحسن لاحق، لكنها لا ترى حتى الآن مؤشرات قوية تسمح بتغيير كبير في خططها التشغيلية أو الاستثمارية. كما أن استمرار ضعف الطلب المحلي وتباطؤ النشاط يعقدان أي توقعات بتسارع قريب في وتيرة النمو.
وفي السياق الأوسع، تراجع المؤشر المركب الذي يجمع أداء قطاعات الاقتصاد الخاص، ما يشير إلى أن الإنتاج الكلي للقطاع الخاص الروسي انكمش بأسرع وتيرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية. ويعزز ذلك الانطباع بأن التباطؤ لم يعد محصوراً في الخدمات فقط، بل بات يعكس ضغوطاً أوسع على الاقتصاد الخاص.
ما الذي تعنيه البيانات للاقتصاد الروسي؟
تقدم قراءة يونيو صورة عن اقتصاد يواجه مزيجاً من ضعف الاستهلاك، وتراجع الطلبيات، وحذر الشركات في التوظيف والاستثمار. وعلى الرغم من تراجع الضغوط السعرية، فإن هذا التراجع لا يأتي نتيجة تحسن العرض أو الإنتاجية، بل يرتبط أساساً بانخفاض الطلب، وهو ما يجعل دلالته الاقتصادية سلبية أكثر من كونها إيجابية.
كما أن انخفاض الأعمال الجديدة واستمرار خفض العمالة قد يحدان من قدرة قطاع الخدمات على توليد نمو مستدام في النصف الثاني من العام. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد تواجه الشركات صعوبة في استعادة مستويات النشاط السابقة من دون تحسن ملموس في القوة الشرائية وثقة المستهلكين.
وبالنسبة للمراقبين، فإن المسار المقبل سيعتمد على ما إذا كان التباطؤ الحالي مجرد مرحلة مؤقتة أم أنه يتحول إلى نمط أطول من الانكماش المرتبط بضعف الطلب المحلي وتزايد القيود المالية على الأسر والشركات.