13-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الاقتصاد الأمريكي يواصل أطول موجة توسع منذ الحرب العالمية الثانية رغم تقلبات الأسواق

تحليل يسلط الضوء على صمود الاقتصاد الأمريكي منذ أزمة 2009، وكيف ساهم هذا التوسع الطويل في ترسيخ شهية المخاطرة في وول ستريت ودعم موجة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

يبدو الاقتصاد الأمريكي اليوم وكأنه يتحدى القواعد التقليدية للدورات الاقتصادية. فمنذ نهاية أزمة 2009، حافظ على توسع طويل غير مسبوق تقريباً، ما جعل فكرة الركود تبدو أبعد مما كانت عليه في أي وقت خلال العقدين الماضيين. هذا الصمود لم يقتصر أثره على النشاط الاقتصادي فقط، بل امتد إلى أسواق المال، حيث عزز ثقة المستثمرين وساعد على استمرار موجة الصعود في الأسهم، إلى جانب تسهيل التمويل المطلوب للتحول المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

ورغم أن هذا المشهد لا يشبه ما كان يُعرف بـ"الاستقرار الكبير" الذي ساد بين منتصف الثمانينيات ومنتصف 2007، فإن المؤشرات الحالية تكشف عن اقتصاد أكثر خشونة وتقلباً، وأعلى حساسية للضغوط السياسية، وأكثر وضوحاً في اتساع فجوات الثروة. كما أن التضخم بات جزءاً ملموساً من الصورة، وليس مجرد احتمال نظري.

مع ذلك، فإن رهانات السوق على هبوط اقتصادي حاد تراجعت بشكل كبير. فبعد أن تحمّل الاقتصاد الأمريكي ارتفاع أسعار الفائدة، والرسوم الجمركية، وحتى صدمة طاقة عالمية هذا العام، أصبح من الصعب على كثير من المستثمرين تحديد العامل الذي قد يدفعه فعلاً إلى الانكماش.

عوامل صمود تتجاوز الدورة التقليدية

لا يعود هذا التماسك إلى الحظ وحده، بل يبدو أن هناك عناصر بنيوية تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات. من بين هذه العوامل، التحول المتزايد نحو قطاع الخدمات، وتحسن مراكز الشركات المالية، وامتلاك الأسر والقطاعات الاقتصادية الرئيسية ميزانيات عمومية أقوى مما كانت عليه في فترات سابقة. كما أن الاستجابة السياسية والمالية أصبحت أسرع وأكثر استعداداً للتدخل عند ظهور الاضطرابات.

حتى الانكماش الحاد الذي شهده عام 2020 لا يُعد في هذا السياق ركوداً دورياً تقليدياً، بل كان نتيجة مباشرة لإغلاقات متعمدة فُرضت للحد من انتشار كوفيد-19. وقد عوضت الحكومة الأمريكية جزءاً كبيراً من الصدمة عبر دعم مالي واسع، بينما ساعدت وتيرة تطوير اللقاحات على عودة الاقتصاد بسرعة لافتة. لذلك، فإن احتساب تلك المرحلة ضمن المسار الدوري الطويل قد يبالغ في تقدير قوة التباطؤ مقارنة بما حدث فعلاً في الدورات الاقتصادية السابقة.

وعند استبعاد الانكماشين الفصليين في 2020، يتضح أن الاقتصاد الأمريكي يسجل أطول فترة متواصلة دون ركود منذ الحرب العالمية الثانية بفارق كبير. وهذا يعني أن جيلاً كاملاً من العاملين والمتداولين وربما المستثمرين لم يختبر ركوداً وطنياً واسع النطاق خلال حياتهم المهنية.

إشارات تحذير لم تترجم إلى ركود

خلال الأعوام الستة الماضية، صدرت عدة مؤشرات توحي بأن الاقتصاد قد يكون على وشك التراجع. فقد ارتفعت احتمالات الركود أثناء صدمة التضخم ورفع الفائدة في 2022، ثم تكرر القلق بعد موجة الرسوم الجمركية في عهد إدارة ترامب، ولاحقاً خلال صدمة الحرب في إيران وارتفاع أسعار الوقود هذا العام. لكن في كل مرة، لم يتحول القلق إلى ركود فعلي.

هذا التماسك انعكس أيضاً في استطلاعات مديري الصناديق العالمية، حيث لا يرى سوى 5% منهم حالياً احتمال هبوط اقتصادي حاد خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة. وهذه النسبة الضئيلة تعكس انتقال المزاج الاستثماري من الخوف من الدورة الاقتصادية إلى القناعة بأن التباطؤ، إن حدث، سيكون محدوداً وقصير الأثر.

لكن هذا لا يعني أن الأسواق محصنة. فالتاريخ يبين أن الأسهم يمكن أن تتعرض لتراجعات حادة من دون أن يصاحبها ركود رسمي. فالضغوط على الفائدة في 2022، والتشدد النقدي في 2018، ومخاوف النمو الصيني وعدم اليقين الداخلي في 2015 و2016، كلها أدت إلى هزات كبيرة في مؤشر S&P 500 من دون الدخول في ركود شامل.

توسع قياسي في الأسهم وتوقعات الحذر

من منظور الأسواق، تبدو قصة الصعود أكثر إثارة من قصة الاقتصاد نفسه. فالمؤشرات الأمريكية استفادت من تركز القيادة السوقية في مجموعة محدودة من شركات التكنولوجيا العملاقة، ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة من التفاؤل الاستثماري. هذه العوامل دعمت ثقافة شراء التراجعات، وهي القناعة الراسخة لدى المستثمرين بأن أي هبوط مؤقت يمثل فرصة للدخول لا سبباً للخروج.

وبحسب تقديرات بعض الاستراتيجيين، فإن سوق الأسهم الأمريكية تمر بموجة صعود استثنائية من حيث الحجم والمدة، مع مكاسب ضخمة خلال أكثر من عقد. غير أن التاريخ المالي لا يشجع على الاعتقاد بأن الصعود الطويل يمكن أن يستمر بلا نهاية. فالدورات الهابطة غالباً ما تنتهي عندما تتشدد الأوضاع المالية، أو ترتفع المديونية إلى مستويات مقلقة، أو تظهر صدمات اقتصادية مفاجئة.

كما أن خبراء السوق يشيرون إلى أن الهبوط الكبير في الأسهم لا يحتاج دائماً إلى ركود كي يحدث. فالتصحيح الحاد قد ينشأ من تحولات في الفائدة أو التوقعات أو السيولة، حتى لو ظل النشاط الحقيقي للاقتصاد إيجابياً. ولهذا السبب، فإن طول فترة التوسع الاقتصادي لا يعني بالضرورة غياب المخاطر في وول ستريت.

هل يمكن أن يطيل طول التوسع عمر السوق الصاعد؟

السؤال الأهم اليوم ليس ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي قد تجنب الركود حتى الآن، بل ما إذا كان هذا الصمود الطويل سيواصل دعم الأسواق إلى أجل غير معلوم. فكلما طال غياب الركود، زادت الثقة في الشراء عند الهبوط، لكن هذه الثقة نفسها قد تتحول إلى نوع من التراخي تجاه المخاطر.

من جهة، قد يكون غياب التجربة السلبية عاملاً نفسياً داعماً للمستثمرين، لأنه يجعلهم أكثر ميلاً لافتراض أن أي اضطراب يمكن تجاوزه سريعاً. ومن جهة أخرى، فإن ضعف الذاكرة الدورية قد يخلق حالة من الاطمئنان الزائد، حيث تتراجع أهمية التحوط وتقل حساسية السوق تجاه الإشارات المبكرة للأزمة.

وهكذا، فإن الاقتصاد الأمريكي يقف في وضع غير مألوف: توسع طويل، ركود غائب، وأسواق مالية تراهن على استمرار الاستثناء. لكن التاريخ الاقتصادي يوضح أن الدورات لا تختفي، بل تتأخر فقط. وعندما يأتي التغيير، فإنه غالباً لا يعلن عن نفسه مسبقاً بنفس الدرجة التي يتخيلها المستثمرون.

في الوقت الراهن، يبقى المشهد مفتوحاً على أكثر من احتمال: استمرار النمو رغم التشدد النقدي، أو بداية تصحيح في الأسهم من دون ركود، أو ربما عودة الدورة الاقتصادية التقليدية بعد سنوات من الاستثناء. وفي كل الأحوال، فإن طول هذه الموجة وحده يكفي لتفسير الكثير من حذر المحللين، حتى وسط التفاؤل الذي لا يزال يسيطر على وول ستريت.