13-Jul-2026 5 دقائق قراءة

البنوك المركزية ترفع رهاناتها على الذهب مع تصاعد المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية

أظهر استطلاع لمجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية ما زالت ترى في الذهب أداة استراتيجية للتحوط وحفظ القيمة، مع ارتفاع واضح في نية زيادة الاحتياطيات خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، رغم تقلبات الأسعار الأخيرة.

الذهب يعود إلى صدارة أولويات الاحتياطيات

تُظهر نتائج استطلاع حديث لمجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية لا تزال تنظر إلى الذهب باعتباره أحد أهم الأصول في إدارة الاحتياطيات الرسمية، رغم موجات التذبذب التي شهدتها الأسعار خلال الفترة الأخيرة. فالمعدن النفيس يحتفظ بمكانته بوصفه وسيلة للتحوط، وأداة للحفاظ على القيمة، وعاملاً مساعداً على تنويع المحافظ التي تديرها السلطات النقدية.

وبحسب الاستطلاع، فإن 45 في المائة من مديري الاحتياطيات المشاركين يتوقعون زيادة حيازاتهم من الذهب خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، وهي أعلى نسبة مسجلة في هذا المؤشر منذ بدء رصده. وتمثل هذه النسبة زيادة بنقطتين مئويتين عن العام السابق، ما يعكس اتجاهاً واضحاً نحو تعزيز الاعتماد على الذهب في بيئة تتسم بعدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي.

في المقابل، رأى 54 في المائة من المشاركين أن حجم الاحتياطيات الذهبية سيبقى دون تغيير، بينما لم يتوقع سوى 1 في المائة تراجع تلك الحيازات. ويشير هذا التوزيع إلى أن البنوك المركزية لا تتعامل مع الذهب كأصل مضاربة قصير الأجل، بل كعنصر استراتيجي في هيكل الأمان المالي.

الأزمات والضغوط الجيوسياسية تعزز الجاذبية

جاءت معظم إجابات الاستطلاع بعد اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، وهو تطور أثّر في أسواق الطاقة والسلع ورفع منسوب القلق لدى المستثمرين وصناع السياسة على حد سواء. ورغم أن الذهب تعرض لانخفاض مؤقت في الأسعار خلال تلك الفترة، فإن هذا التراجع لم يغيّر قناعة البنوك المركزية بأهميته.

وقال مسؤولون في مجلس الذهب العالمي إن البنوك المركزية ما زالت ترى في الذهب أصلاً استراتيجياً، وإن التغيرات القصيرة في الأسعار لا تبدو كافية لتعديل هذا التوجه. ويبدو أن الدافع الأساسي لم يعد مرتبطاً فقط بمستوى السعر، بل بقدرة الذهب على العمل كأصل لا يرتبط مباشرةً بمخاطر طرف مقابل أو بتقلبات السياسات النقدية المحلية.

كما أن ارتفاع حدة التوترات الدولية، إلى جانب تقلبات أسعار الطاقة وأسواق العملات، يدفع عدداً متزايداً من البنوك المركزية إلى البحث عن أدوات أكثر صلابة في مواجهة الصدمات. وفي هذا السياق، يظل الذهب الخيار الأوضح والأكثر تقليدية.

اتساع قاعدة البنوك المالكة للذهب

أظهر الاستطلاع أيضاً أن 93 في المائة من المشاركين بات لديهم بالفعل احتياطيات من الذهب، مقارنة بـ81 في المائة فقط في العام السابق. ويعكس هذا الارتفاع المتسارع أن امتلاك الذهب لم يعد محصوراً في مجموعة محدودة من الاقتصادات الكبرى، بل بات جزءاً أوسع من استراتيجيات إدارة الأصول الرسمية لدى عدد كبير من البنوك المركزية.

وتشير هذه النسبة إلى أن الذهب لم يعد مجرد مخزون احتياطي تقليدي، بل أصبح أداة شائعة ضمن إطار إدارة المخاطر. فالبنوك المركزية تنظر إليه باعتباره أصلاً طويل الأجل يمكنه تعزيز مرونة الميزانيات العمومية للدول، خاصة في الأوقات التي تتعرض فيها العملات وأسواق الدين لضغوط.

وتزداد أهمية هذا الاتجاه في الاقتصادات الناشئة والنامية، حيث تتقاطع اعتبارات الاستقرار المالي مع الحاجة إلى حماية الاحتياطيات من الصدمات الخارجية أو تقلبات أسعار الصرف.

دوافع الشراء تتجاوز الأداء السعري

عند سؤال البنوك المركزية عن الأسباب الرئيسية للاحتفاظ بالذهب، كانت الإجابة الأبرز مرتبطة بأدائه في أوقات الأزمات. وقد أشار 90 في المائة من المشاركين إلى هذه الميزة، وهي النسبة الأعلى التي يسجلها الاستطلاع في هذا المجال. ويؤكد ذلك أن القيمة الجوهرية للذهب في نظر البنوك المركزية تكمن في قدرته على الصمود عندما تتعرض الأصول الأخرى للاهتزاز.

كما برزت أسباب أخرى، من بينها دوره كخزان للقيمة على المدى الطويل، إضافة إلى فائدته في تنويع هيكل الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الأدوات المالية التقليدية. وفي بيئة عالمية تتسم برفع أسعار الفائدة أو خفضها بوتيرة سريعة، تصبح الأصول المرتبطة بالسياسات النقدية عرضة لمخاطر أعلى، ما يجعل الذهب أكثر جاذبية.

أما البنوك المركزية في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، فقد أظهرت ميلاً أكبر لاعتبار الذهب وسيلة فعالة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية؛ إذ قال 85 في المائة من هذه الفئة إن هذا العامل يشكل دافعاً رئيسياً للاحتفاظ بالمعدن الأصفر. ويعكس ذلك تزايد الرغبة في امتلاك أصول يمكن الاحتفاظ بها خارج نطاق الضغوط السياسية والمالية المباشرة.

إعادة توزيع مواقع التخزين تعكس تغيرات في إدارة المخاطر

لم يقتصر التحول على زيادة الحيازات، بل شمل أيضاً إدارة أماكن تخزين الذهب. فقد أفاد 9 في المائة من المشاركين بأنهم رفعوا حجم الذهب المخزن محلياً خلال العام الماضي، مقارنة بـ5 في المائة قبل ذلك بعام. كما قال 10 في المائة إنهم عملوا على تنويع مواقع التخزين الخارجية، صعوداً من 2 في المائة فقط في الاستطلاع السابق.

وتعكس هذه الأرقام إدراكاً متزايداً لأهمية المرونة التشغيلية في إدارة الأصول السيادية. فامتلاك الذهب في أكثر من موقع يقلل من المخاطر المرتبطة بالنقل أو التركيز الجغرافي، كما يمنح السلطات النقدية قدرة أفضل على الوصول إلى احتياطياتها عند الحاجة.

وخلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، يخطط 7 في المائة من البنوك المركزية لزيادة الذهب المخزن داخل بلدانها، بينما يعتزم 9 في المائة تنويع مواقع التخزين في الخارج. وهذه الخطط تؤكد أن إدارة الذهب لم تعد مسألة امتلاك فقط، بل أيضاً مسألة توزيع ومخاطر وسرعة استجابة.

مخزون البنوك وإشارات السوق

بحسب تقديرات مجلس الذهب العالمي، لا يزال «بنك إنجلترا» الموقع الأكثر استخداماً لتخزين احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية، يليه التخزين المحلي داخل الدول ثم بنك التسويات الدولية. ويعكس هذا الترتيب استمرار الاعتماد على مراكز تخزين تقليدية ذات وزن في النظام المالي العالمي.

وفي موازاة ذلك، تتوقع شركة «ميتالز فوكس» المتخصصة في أبحاث المعادن أن يتراجع الطلب الصافي من البنوك المركزية على الذهب من حيث الكمية بنسبة 15 في المائة على أساس سنوي خلال عام 2026. غير أن هذا التراجع المتوقع سيبقى، وفق التقديرات، أعلى بكثير من المستويات التي كانت سائدة قبل عام 2022، ما يعني أن الدعم الأساسي الذي يقدمه هذا الطلب للسوق سيظل قائماً.

كما أن التغير في وتيرة الشراء لا يلغي الاتجاه العام، بل قد يعكس فقط مرحلة أكثر هدوءاً بعد سنوات من التسارع. وفي كل الأحوال، يظل وجود طلب رسمي من البنوك المركزية عنصراً مهماً في تحديد المزاج العام لسوق الذهب، لأنه يضيف طبقة من الاستقرار النسبي في مواجهة تقلبات المستثمرين الأفراد والصناديق.

ما الذي تعنيه هذه التطورات للأسواق؟

تدل البيانات الأخيرة على أن الذهب ما زال يؤدي دوراً يتجاوز كونه سلعة استثمارية، ليصبح ركناً في معادلة الأمن المالي العالمي. ومع استمرار الضبابية المرتبطة بالنمو والتضخم والجغرافيا السياسية، يبدو أن البنوك المركزية لا تتجه إلى تقليص اعتمادها على الذهب، بل إلى إعادة تأكيده ضمن أدوات التحوط طويلة الأجل.

ومن المرجح أن يظل المعدن النفيس حاضراً بقوة في قرارات الاحتياطيات الرسمية، حتى لو تحركت الأسعار صعوداً أو هبوطاً على المدى القصير. فالأولوية لدى البنوك المركزية ليست المراهنة على اتجاه السوق، بل بناء محفظة قادرة على امتصاص الصدمات وحماية الاستقرار النقدي في عالم أقل يقيناً.