عاد ملف التضخم في منطقة اليورو إلى واجهة المشهد الاقتصادي بعدما ربط مسؤول رفيع في البنك المركزي الأوروبي بين تجدد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يبدد جزءاً من التقدم الذي أحرزته المؤسسة النقدية خلال الأشهر الماضية في كبح الضغوط السعرية.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات الأسواق العالمية أن المستثمرين واصلوا توجيه السيولة نحو الأسهم المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب السندات، في إشارة إلى تداخل واضح بين المخاطر الجيوسياسية وفرص الاستثمار في الاقتصاد الرقمي.
التوترات الجيوسياسية تعقد مسار التضخم
قال يانيس ستورناراس، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي ومحافظ البنك المركزي اليوناني، إن تجدد الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران أعاد الأسواق إلى نقطة البداية تقريباً في ما يتعلق بتوقعات التضخم. وأوضح أن ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن اضطراب الأوضاع في الشرق الأوسط يرفع درجة عدم اليقين أمام صناع السياسة النقدية.
ويعكس هذا التصريح حساسية منطقة اليورو، التي تبقى شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط والغاز، خاصة عندما تأتي الصدمات من مناطق إنتاج أو عبور استراتيجية. فكل ارتفاع جديد في كلفة الطاقة ينعكس سريعاً على سلاسل التوريد والنقل والتصنيع، ثم يصل تدريجياً إلى أسعار المستهلكين.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المنعقد يومي 10 و11 يونيو، بينما كان المستثمرون يراهنون لاحقاً على زيادتين إضافيتين خلال العام المقبل للحد من أثر صدمة الطاقة على التضخم. غير أن هذه التوقعات بقيت رهينة لتطورات الشرق الأوسط، حيث يمكن لأي تصعيد جديد أن يعيد تسعير المخاطر خلال أيام قليلة.
رهانات الأسواق تتبدل بسرعة
قبل أسابيع، ساعد التراجع السريع وغير المتوقع في أسعار الطاقة بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران على تخفيف الضغط على المركزي الأوروبي، ما قلل من الحاجة إلى تشديد إضافي في الاجتماع المقرر يومي 22 و23 يوليو. لكن هذا الهامش من الراحة لم يدم طويلاً، إذ دفعت مؤشرات هشاشة الهدنة المتعاملين إلى إعادة بناء رهاناتهم على رفع جديد للفائدة.
هذا التحول السريع يبرز كيف أصبحت السياسة النقدية الأوروبية مرتبطة ليس فقط ببيانات التضخم والنمو، بل أيضاً بمجريات الصراع الإقليمي. ومع كل تغير في أسعار النفط، يعيد المستثمرون حساباتهم بشأن توقيت الذروة المحتملة للفائدة، وما إذا كان المركزي الأوروبي سيضطر إلى الاستمرار في التشديد لفترة أطول من المتوقع.
ويشير ذلك أيضاً إلى أن البنك لا يواجه معركة تقليدية مع التضخم فقط، بل يتعامل مع بيئة عالمية تتداخل فيها السياسة والطاقة والتمويل. وفي هذه البيئة، تصبح أي إشارة من مسؤول نقدي كبير مهمة للأسواق، لأنها قد تغير مسار العوائد في السندات، وتوقعات الائتمان، واستراتيجيات التحوط في شركات الطاقة والنقل والصناعة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يجذبان السيولة
على الجانب الآخر من المشهد المالي، واصلت صناديق الأسهم العالمية جذب تدفقات قوية خلال الأسبوع المنتهي في 8 يوليو، إذ سجلت صافي تدفقات بلغ 49.23 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع. وجاء ذلك بدعم من الطلب المرتفع على المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى تراجع توقعات تشديد السياسة النقدية من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وأظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن أن المستثمرين لم يكتفوا بالعودة إلى الأسهم عموماً، بل ركزوا على شركات التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر، في إشارة إلى استمرار الثقة في سلاسل القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما ساعدت بيانات النشاط الصناعي القوية في تعزيز هذه الشهية الاستثمارية.
وبحسب التقديرات المستندة إلى متوسط توقعات المحللين، من المنتظر أن يحقق قطاع التكنولوجيا نمواً سنوياً لافتاً في صافي أرباح الربع الثاني، ما يجعل هذا القطاع أحد أبرز محركات الأداء في البورصات العالمية خلال موسم النتائج الحالي.
أميركا وأوروبا وآسيا تستفيد من موجة الشراء
توزعت التدفقات على معظم المناطق الرئيسية، إذ جذبت الصناديق الأميركية ما يقرب من 24.97 مليار دولار، وهو أعلى مستوى لها في ثلاثة أسابيع. وجاءت هذه التدفقات في ظل تفاؤل متزايد بأرباح شركات التكنولوجيا الكبرى والمتوسطة قبيل إعلان النتائج الفصلية.
كما استقطبت الصناديق الأوروبية 13.67 مليار دولار، فيما حصلت الصناديق الآسيوية على 6.95 مليار دولار. وتوضح هذه الأرقام أن موجة الإقبال على الأصول المرتبطة بالنمو الرقمي لم تعد محصورة في سوق بعينها، بل باتت عابرة للحدود مع استمرار الرهان العالمي على الذكاء الاصطناعي.
وفي داخل قطاع التكنولوجيا نفسه، بلغت التدفقات 9.71 مليار دولار، بينما سجل القطاع المالي والسلع الاستهلاكية الأساسية تدفقات أقل حجماً. أما على مستوى الشركات، فقد استحوذت الأسهم الأميركية ذات القيمة السوقية الكبيرة والصغيرة على الجزء الأكبر من السيولة، في حين شهدت الشركات المتوسطة خروجاً محدوداً للأموال.
السندات تعود إلى الواجهة
لم يقتصر التحرك على الأسهم، إذ شهدت صناديق السندات إقبالاً قوياً من المستثمرين، مع تدفقات بلغت 16.82 مليار دولار خلال أسبوع واحد، وهو أعلى مستوى منذ عام 2019 على الأقل. ويعكس ذلك بحث الأسواق عن توازن بين المخاطرة والعائد، في وقت تتقلب فيه توقعات الفائدة وأسعار الطاقة ومخاوف النمو العالمي.
وإلى جانب السندات، سجلت صناديق أسواق النقد تدفقات جديدة، ما يشير إلى أن جزءاً من المستثمرين ما زال يفضّل الاحتفاظ بسيولة عالية تحسباً لتغيرات سريعة في المشهد الاقتصادي. أما صناديق الذهب والمعادن النفيسة، فقد واصلت تسجيل تدفقات خارجة للأسبوع الثامن على التوالي، في دليل على أن شهية المستثمرين للمخاطرة ظلت قوية نسبياً رغم التوترات الجيوسياسية.
وفي الأسواق الناشئة، بقي الضغط واضحاً على صناديق الأسهم، بينما استمرت صناديق السندات في جذب أموال جديدة. وهذا التباين يعكس أن المستثمرين يميزون حالياً بين الأصول الدفاعية والأصول المرتبطة بالنمو، وأن قراراتهم تتأثر بدرجة كبيرة بتوقعات السياسة النقدية الأميركية والأوروبية معاً.
ما الذي يعنيه ذلك لأسواق الأعمال والاقتصاد الرقمي؟
تجمع التطورات الأخيرة بين مسارين متوازيين: الأول يتمثل في عودة التضخم المحتمل إلى الواجهة بفعل صدمة الطاقة، والثاني في استمرار الثقة بقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتباره محرك النمو الأكثر جاذبية للمستثمرين. وبين المسارين، تجد الشركات والبنوك والمستثمرون أنفسهم أمام بيئة تتطلب قرارات أسرع وأكثر مرونة.
فإذا استمرت أسعار الطاقة في الصعود، فقد يضطر البنك المركزي الأوروبي إلى الإبقاء على سياسة أكثر تشدداً لفترة أطول، ما يرفع كلفة التمويل على الشركات ويؤثر في شهية الاقتراض والاستثمار. أما إذا خففت الأسواق من حدة التوتر الجيوسياسي، فقد تعود رهانات خفض الفائدة إلى الواجهة، وهو ما يدعم تقييمات أسهم التكنولوجيا ويزيد التدفقات نحو الأصول عالية النمو.
وبالنسبة لقطاع الاقتصاد الرقمي، تبدو الصورة مزدوجة: من جهة، يظل الذكاء الاصطناعي نقطة جذب رئيسية للسيولة وتوقعات الأرباح. ومن جهة أخرى، تبقى هذه المكاسب حساسة لأي اضطراب في أسعار الطاقة أو سلاسل الإمداد، خصوصاً إذا انعكس ذلك على تكاليف مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية السحابية. لذلك، فإن مسار الأسواق في المرحلة المقبلة سيعتمد على توازن دقيق بين التطورات السياسية وقرارات البنوك المركزية وقوة أرباح الشركات التقنية.