تحذير جديد من مسار الدين الفرنسي
رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مستوى القلق بشأن الوضع المالي في فرنسا، معتبرة أن ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو يواجه مساراً صعباً قد يدفع الدين العام إلى مزيد من الارتفاع إذا لم تُتخذ إجراءات تصحيحية أسرع وأكثر جرأة. ويأتي هذا التقييم في وقت تتعرض فيه المالية العامة الفرنسية لضغوط متزامنة من ضعف النمو، وارتفاع كلفة الاقتراض، وتباطؤ مسار الإصلاحات الهيكلية.
وبحسب تقديرات المنظمة، فإن العجز الفرنسي قد يظل قريباً من 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، فيما يُرجح أن يواصل الدين العام الصعود ليقترب من 119 في المائة من الناتج. وهذه المستويات تعني أن فرنسا ستبقى ضمن الدول الأوروبية الأكثر عرضة لمخاطر الاستدامة المالية إذا استمر الإنفاق العام عند مستوياته الحالية دون ضبط كافٍ.
وترى المنظمة أن تثبيت الدين خلال السنوات المقبلة لن يكون ممكناً بالاعتماد على التعديلات الحالية فقط، بل يتطلب حزمة مالية إضافية بحجم يقارب 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030. وهذا الفارق الكبير بين المطلوب وما تم إنجازه حتى الآن يعكس حجم التحدي الذي يواجه صناع القرار في باريس.
الإنفاق العام وإصلاح التقاعد في قلب المعادلة
تربط المنظمة بين مسار الدين الفرنسي وبين الحاجة إلى خفض أعمق في الإنفاق العام، خصوصاً في ظل بقاء الإنفاق الحكومي عند مستويات أعلى من نظيراتها في عدد من الاقتصادات الأوروبية المشابهة. وتؤكد أن استمرار هذا النمط من الصرف، دون تعديلات بنيوية، سيجعل السيطرة على العجز أكثر صعوبة عاماً بعد عام.
وفي هذا السياق، عادت إصلاحات نظام التقاعد إلى واجهة النقاش الاقتصادي. فالإصلاح الذي أُقر في 2023 وينص على رفع سن التقاعد القانوني تدريجياً من 62 إلى 64 عاماً يُعد، وفق المنظمة، أحد أهم الأدوات القادرة على تخفيف الضغوط طويلة الأجل على الموازنة. لكن تنفيذ هذا الإصلاح تم تعليقه سابقاً إلى ما بعد الانتخابات، ما أضعف أثره المالي المتوقع.
وتدعو المنظمة إلى إعادة العمل بالجدول الزمني الأصلي، بل وتنظر أيضاً في خيار ربط سن التقاعد تدريجياً بمتوسط العمر المتوقع. ورغم أن هذا المقترح قد يساعد في تعزيز الاستدامة المالية، فإنه يظل شديد الحساسية اجتماعياً وسياسياً في بلد شهد سابقاً احتجاجات وإضرابات واسعة ضد أي تغيير في سن التقاعد أو شروطه.
نمو ضعيف يزيد صعوبة خفض العجز
لا تقتصر الضغوط على جانب الإنفاق فقط، فالنمو الاقتصادي نفسه لا يوفر دعماً كافياً لجهود التصحيح المالي. وتقدّر المنظمة أن الاقتصاد الفرنسي قد ينمو بنسبة 0.7 في المائة في 2026، بعد 0.9 في المائة في 2025، قبل أن يتحسن قليلاً إلى 0.8 في المائة في 2027. وهي نسب متواضعة تعكس بيئة اقتصادية بطيئة ومكلفة في آن واحد.
ويُفهم من هذا المسار أن أي محاولة لخفض العجز ستواجه عقبة مزدوجة: إيرادات أضعف نتيجة النمو المحدود، ومصروفات أعلى نتيجة ارتفاع خدمة الدين. ومع زيادة أسعار الفائدة خلال الفترة الماضية، أصبحت فوائد الاقتراض تمثل عبئاً أكبر على الموازنة، ما يقلل من هامش المناورة أمام الحكومة.
وتشير المنظمة إلى أن حالة عدم اليقين السياسي والضغوط الخارجية واستمرار تكاليف التمويل المرتفعة كلها عوامل تعمّق المشكلة. وفي المقابل، قد توفر سوق العمل القوية نسبياً والصادرات بعض الدعم المحدود، لكن هذا الدعم لا يبدو كافياً لعكس الاتجاه العام أو تقليص العجز بوتيرة مريحة.
تحديات سياسية تقترب مع الاستحقاقات الانتخابية
يكتسب هذا التحذير أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل 2027، إذ ستجد الحكومات المقبلة نفسها أمام ملف مالي شديد التعقيد، وسط ضغط شعبي محتمل من أي إجراءات تقشفية أو تعديلات على أنظمة الرفاه. وتضع هذه المعادلة الحكومة أمام خيارين صعبين: إما المضي في إصلاحات مؤلمة لكنها ضرورية، أو تأجيل القرارات مع ما يحمله ذلك من تكلفة أكبر لاحقاً.
ويرى مراقبون أن فرنسا دخلت مرحلة تتطلب موازنة دقيقة بين الاستقرار الاجتماعي والانضباط المالي. فالإبقاء على مستويات إنفاق مرتفعة من دون إصلاحات هيكلية قد يضمن هدوءاً مؤقتاً، لكنه يراكم أعباء مستقبلية أكبر. وفي المقابل، فإن تنفيذ تخفيضات جذرية أو رفع سن التقاعد قد يواجه مقاومة سياسية واسعة.
لهذا السبب، يحمل تقرير المنظمة رسالة واضحة: التأجيل لم يعد خياراً منخفض الكلفة، لأن الدين والعجز وكلفة التمويل تتحرك جميعها في اتجاه واحد، بينما يظل النمو ضعيفاً وغير قادر على امتصاص الصدمة. ومن هنا، يصبح استئناف الإصلاحات المالية والهيكلية شرطاً أساسياً للحفاظ على ثقة الأسواق وتجنب مسار أكثر صعوبة في السنوات المقبلة.