منصة تجمع أطراف المنظومة
اختُتمت في المملكة أعمال أمسية مخصصة للريادة الاجتماعية، أُقيمت بالتزامن مع أسبوع الريادة الاجتماعية، وجاء تنظيمها ضمن شراكة بين جمعية رؤية الريادة والهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة «منشآت». وهدفت الفعالية إلى إبراز دور التعاون بين القطاعات المختلفة في تحويل الأفكار ذات البعد المجتمعي إلى مشاريع أكثر قدرة على الاستمرار والتوسع.
وشهدت الأمسية حضورًا لافتًا من قيادات وصنّاع قرار ورواد أعمال وممثلين عن جهات ممكنة في القطاعين العام والخاص، إلى جانب مهتمين بتطوير منظومة الأثر الاجتماعي. ويعكس هذا التنوع في الحضور اتساع الاهتمام بالاقتصاد الاجتماعي بوصفه أحد المسارات التي تربط بين الابتكار والاحتياج المجتمعي والجدوى الاقتصادية.
في هذا السياق، قدّمت الأمسية مساحة نقاشية حول كيفية بناء بيئة أكثر تكاملًا للمبادرات الاجتماعية، بحيث لا تقتصر على التمويل أو الدعم المعنوي، بل تمتد إلى الإرشاد والتشبيك وفتح قنوات تعاون عملية تساعد المشروعات على النمو بطريقة منظمة.
تكامل القطاعات كمدخل لتعظيم الأثر
ركزت الجلسات الحوارية على أهمية التنسيق بين القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي، باعتبار أن الأثر الاجتماعي المستدام لا يتحقق عبر الجهود الفردية المتفرقة، بل عبر منظومة مترابطة توفّر المعرفة والموارد والفرص. كما ناقشت الجلسات الدور الذي يمكن أن تؤديه الشراكات النوعية في دعم المبادرات الاجتماعية وتحويلها إلى نماذج قابلة للتكرار والتوسع.
وطرحت المناقشات رؤى عملية حول كيفية بناء مشاريع اجتماعية أكثر صلابة من حيث الهيكل التشغيلي والقدرة على الاستمرار المالي والتأثير المجتمعي. كما جرى التأكيد على أن المبادرات الواعدة تحتاج إلى بيئة حاضنة تساعدها على تجاوز التحديات المبكرة المرتبطة بالتأسيس، والوصول إلى الجمهور المستهدف، وقياس النتائج بصورة دقيقة.
وتأتي هذه الرؤية منسجمة مع التوجهات الأوسع في المملكة لدعم المبادرات التي تجمع بين البعد التنموي والابتكار، وتدفع نحو مشاركة أوسع للقطاع غير الربحي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز القيمة المضافة لهذا القطاع ويزيد من أثره طويل المدى.
إطلاق مبادرات جديدة لدعم الاستدامة
خلال الأمسية، تم استعراض عدد من المبادرات الهادفة إلى تعزيز الأثر الاجتماعي والاستدامة، في إشارة إلى انتقال الخطاب من مرحلة النقاش النظري إلى مرحلة الأدوات التنفيذية. ومن أبرز هذه المبادرات، عرض مشروع «الريادة في الأثر الأخضر» الذي قدمه الرئيس التنفيذي لشركة نت زيرو، بوصفه مبادرة اجتماعية بيئية متخصصة في مجال ريادة الأعمال.
وتسعى هذه المبادرة إلى تشجيع التحول نحو ممارسات أكثر استدامة، ورفع مستوى الوعي البيئي لدى الأفراد والجهات، وتمكين المشاركين في المنظومة الريادية من الإسهام في مستهدفات الاستدامة. ويعكس هذا التوجه تنامي العلاقة بين ريادة الأعمال والمسؤولية البيئية، خصوصًا مع تزايد الاهتمام بالنماذج التي تراعي الأثر البيئي في مسار النمو الاقتصادي.
كما استعرضت جمعية رؤية الريادة شركة «ريادة» باعتبارها أول شركة اجتماعية تهدف إلى ربط منظومة الريادة بأطرافها المختلفة، من رواد أعمال ومستثمرين وممكنين وجهات داعمة. ووفق ما عُرض في الأمسية، فإن هذه الشركة تسعى إلى تسهيل التعاون بين الفاعلين في المشهد الريادي وفتح فرص جديدة تساند نمو المشاريع وتزيد من استدامة أثرها.
مسرعة متخصصة لاحتضان المشاريع الواعدة
من أبرز النتائج العملية التي أعلنتها الأمسية تدشين «مسرعة الريادة الاجتماعية»، وهي خطوة تستهدف احتضان وتمكين المبادرات والمشاريع الاجتماعية الواعدة عبر برامج إرشادية وتطويرية متخصصة. وتُعد المسرعات من الأدوات المهمة في بيئة الأعمال لأنها لا تكتفي بتسريع الانطلاق، بل تساعد على تحسين النموذج التشغيلي، ورفع الكفاءة، وتوسيع فرص الوصول إلى الشركاء والمستفيدين.
وتسعى هذه المسرعة إلى دعم المشاريع منذ المراحل المبكرة، عبر مجموعة من الخدمات التي قد تشمل التوجيه المتخصص، وبناء القدرات، وتطوير التصورات العملية للنمو، بما يسهم في تحويل المبادرات الصغيرة إلى مشاريع أكثر نضجًا وقابلية للاستمرار. كما أن وجود برنامج من هذا النوع يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية البنية الداعمة في إنجاح الأعمال ذات الطابع الاجتماعي.
وفي سياق أوسع، تمثل هذه الخطوة مؤشرًا على اتساع الاهتمام في المملكة بصيغ الريادة التي تمزج بين القيمة التجارية والأثر المجتمعي، وهو اتجاه ينسجم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي والاجتماعي، حيث أصبحت المنصات والشبكات الداعمة عنصرًا حاسمًا في نمو المشاريع المؤثرة.
أهمية المساحات الحوارية في تطوير المنظومة
أوضحت جمعية رؤية الريادة أن تنظيم الأمسية يأتي امتدادًا لجهودها في دعم منظومة الريادة الاجتماعية، وخلق مساحات تجمع الجهات الممكنة ورواد الأعمال والمبادرات النوعية تحت مظلة واحدة. ويمثل هذا النوع من اللقاءات فرصة لتبادل الخبرات، وبناء علاقات عمل جديدة، ومناقشة التحديات التي تواجه المشاريع الاجتماعية بصورة مباشرة.
كما أن الجلسات المفتوحة التي خُتمت بها الفعالية أظهرت أهمية الحوار العملي بين أصحاب العلاقة، إذ تتيح هذه اللقاءات تحويل الأفكار العامة إلى فرص تعاون قابلة للتنفيذ. وفي بيئة الأعمال الحديثة، يُعد التشبيك بين الجهات أحد أهم محددات النجاح، خاصة للمبادرات التي تعتمد على الشراكات لتوسيع نطاق تأثيرها.
ومن منظور اقتصادي، فإن تطوير المنظومة الاجتماعية لا يقتصر على دعم الأفراد أو المؤسسات غير الربحية، بل يمتد إلى خلق قيمة مضافة في السوق عبر إيجاد حلول مبتكرة لمشكلات قائمة. وهذا ما يجعل الريادة الاجتماعية أحد المسارات المهمة التي تدمج بين الأثر والتنمية والجدوى.
انسجام مع مستهدفات رؤية 2030
برز خلال الأمسية تأكيد واضح على انسجام هذه المبادرات مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، لا سيما ما يتعلق بتعزيز مساهمة القطاع غير الربحي وتوسيع أثره الاقتصادي والاجتماعي. فالرؤية تدفع نحو اقتصاد أكثر تنوعًا، وقطاع اجتماعي أكثر فاعلية، ومجتمع أكثر قدرة على إنتاج حلول محلية للتحديات التنموية.
ويأتي التركيز على الاستدامة في قلب هذا التوجه، إذ لم يعد تقييم المبادرات مرتبطًا فقط بحجم النشاط أو عدد المشاركين، بل بقدرتها على الاستمرار، وقياس أثرها، وبناء شراكات طويلة الأمد، وتوليد نتائج يمكن تطويرها وتكرارها. ومن هنا، فإن المبادرات التي طُرحت في الأمسية تعكس توجهًا عمليًا نحو بناء نماذج أكثر نضجًا في القطاع الاجتماعي.
وفي المحصلة، أظهرت الأمسية أن الريادة الاجتماعية في المملكة تتجه نحو مرحلة أكثر تنظيمًا ووضوحًا، مدفوعة بالشراكات، والمسرعات، والمبادرات المتخصصة، والمساحات الحوارية التي تربط بين الجهات المختلفة. وهذا المسار قد يساهم في تعزيز أثر المبادرات المجتمعية، ورفع قدرتها على النمو، وتوسيع حضورها في التنمية المستدامة.