معادلة مالية أصعب من الشعارات السياسية
يضع آندي بورنهام نفسه أمام اختبار دقيق بين وعده بتغيير كبير في السياسات وبين التزامه بقواعد المالية العامة البريطانية. فالمعادلة الأساسية لا تتعلق فقط بزيادة الإنفاق أو تجنب رفع الضرائب، بل بكيفية الحفاظ على ثقة الأسواق في وقت تتراجع فيه المساحة المتاحة للمناورة المالية.
وتستند القواعد الحالية إلى مبدأ بسيط في الظاهر، لكنه شديد الصعوبة في التطبيق: يجب أن تتوازن النفقات الجارية مع الإيرادات خلال فترة محددة. وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، لم يتحقق ذلك إلا لفترات قصيرة للغاية، ما يوضح مدى صعوبة الجمع بين الانضباط المالي والتعهدات السياسية الواسعة.
حتى الآن، لم تُظهر سوق السندات الحكومية البريطانية إشارات حادة على القلق، مستفيدة من انخفاض أسعار النفط وتراجع الضغوط الجيوسياسية، لكن هذا الهدوء لا يعني أن المستثمرين سيتسامحون طويلاً مع أي إشارة إلى تراجع المصداقية المالية.
هامش مالي يتقلص بعد صدمة إقليمية
تشير التقديرات الرسمية السابقة إلى أن خطط الحكومة كانت قادرة على تحقيق فائض في الحساب الجاري بحلول 2029/2030، لكن هذه الحسابات بُنيت على افتراضات اقتصادية سبقت اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، كما اعتمدت على توقعات نمو أعلى من متوسط التقديرات السائدة.
ومع تغير البيئة الاقتصادية، انكمش الهامش المالي المتاح. وقد قدّر اقتصاديون في بنك أوف أميركا أن هذه المساحة تقلصت إلى نحو 19 مليار جنيه إسترليني، بعد أن كانت أعلى من ذلك في التقديرات الرسمية. هذا التراجع في الهوامش يجعل أي انحراف إضافي في الإنفاق أو تباطؤ في النمو أكثر حساسية من الناحية السياسية والمالية.
في الوقت نفسه، يظل موقف الحكومة مقيداً بالتزامات انتخابية سابقة استبعدت زيادة الضرائب على العاملين، وهو ما يضيق الخيارات المتاحة أمام أي إدارة ترغب في تمويل خطط إنفاق جديدة من دون الاصطدام بالقواعد المالية أو بالوعود السياسية.
إغراء تأجيل الكلفة إلى سنوات لاحقة
يرى بعض المحللين أن أحد أكثر الأساليب شيوعاً لدى الحكومات هو تأجيل المواجهة الحقيقية مع الأرقام. ويتمثل ذلك في إعلان التزام مبدئي بالانضباط المالي، مع ترك مساحة لزيادة الإنفاق في المدى القريب وتأجيل إجراءات التصحيح إلى سنوات لاحقة.
هذا النوع من الإدارة الزمنية للسياسة المالية لا يعدّ خرقاً مباشراً للقواعد، لكنه قد يضعف جوهرها إذا جرى الاعتماد على افتراضات متفائلة أو على تقشّف مستقبلي غير محدد. كما أن إصلاحات الإطار المالي التي أُدخلت في السنوات الأخيرة جعلت من الصعب التلاعب بهذه القواعد، وإن لم تقضِ على إمكان الالتفاف عليها بالكامل.
ويُنظر إلى ما فعله وزير الخزانة المحافظ السابق جيريمي هانت بوصفه نموذجاً واضحاً: إجراءات ضريبية آنية تم تمويلها لاحقاً عبر تخفيضات كبيرة وغير مفصلة في إنفاق الإدارات الحكومية خلال السنوات التالية. ويُعتقد أن أي حكومة جديدة قد تميل، بدرجة أو بأخرى، إلى استخدام الأسلوب نفسه إذا واجهت ضغطاً سياسياً لإنفاق أكثر قبل الانتخابات المقبلة.
التوقيت الانتخابي يعيد تشكيل القرار المالي
من الناحية العملية، يمكن لأي رئيس حكومة جديد أن يقدّم موازنة أولية تلتزم إلى حد كبير بالخطط القائمة، مع الحفاظ شكلياً على هدف موازنة الحساب الجاري في العام المالي 2029/2030. ثم يمكن تأجيل القرارات الأصعب إلى موازنة لاحقة، ما يمنح الحكومة وقتاً سياسياً إضافياً قبل الانتخابات التي يُفترض أن تُجرى في موعد أقصاه منتصف 2029.
لكن هذا المسار ليس سهلاً بالكامل. فمراجعة الإنفاق الحكومية الدورية، المقررة في العام المقبل، قد تفرض على الحكومة تحديد ميزانيات الإدارات للسنوات التي تلي الانتخابات. وعندها تصبح أي تخفيضات واسعة النطاق أكثر تعقيداً سياسياً، لأن تنفيذها سيصطدم مباشرة بمصالح الوزارات والقطاعات العامة.
ومع ذلك، يظل باب التأجيل مفتوحاً جزئياً. ففي الموازنة التي تسبق الانتخابات، قد تختار الحكومة إرجاء عملية التصحيح المالي إلى سنة لاحقة، من دون تحديد واضح لمصادر الخفض أو زيادات الإيرادات، خاصة إذا كانت السنة الجديدة تقع خارج نطاق مراجعة الإنفاق الحالية.
الأسواق لا تشتري الشعارات بل حجم الاقتراض
رغم الحديث عن الالتزام بالقواعد، فإن سوق السندات الحكومية البريطانية تبدو أقل تسامحاً مع ما يعتبره المستثمرون ألعاباً سياسية. فبالنسبة للمستثمرين، لا يكفي القول إن القواعد المالية ستُحترم؛ المهم هو ما يعنيه ذلك فعلياً بالنسبة لحجم الاقتراض وإصدار الدين.
وتتعامل مديرة المحافظ في شركة متخصصة في أدوات الدخل الثابت مع الوضع باعتباره بيئة شديدة المنافسة بين الدول على جذب المشترين. فالسوق السيادية العالمية مزدحمة، وعندما تتنافس عدة حكومات على التمويل في وقت واحد، يصبح أي ارتفاع في حجم الإصدارات أمراً مؤثراً على الأسعار والعوائد.
حتى عندما يكون الاقتراض موجهاً إلى البنية التحتية، وهي فئة من الإنفاق التي قد تبدو أكثر قبولاً لدى المستثمرين، فإن الأسواق تظل تراقب الرقم النهائي أكثر من التبرير السياسي. وبعبارة أخرى، لا يهمّ العنوان بقدر ما يهمّ حجم الدين المعروض في السوق.
تراجع هوامش الأمان يزيد المخاطر
يحذر بعض الاقتصاديين من أن تقليص الهامش المتاح أمام القواعد المالية يترك الحكومة عرضة لاضطرابات مفاجئة. فإذا بقيت المساحة صغيرة جداً، فإن أي مراجعة سلبية للنمو أو ارتفاع غير متوقع في الإنفاق يمكن أن يفرض تغييرات كبيرة في السياسة العامة.
وتكمن المشكلة في أن الحكومات تحتاج إلى امتصاص الصدمات من دون أن تضطر إلى تغيير المسار في كل مرة يتغير فيها التوقع الاقتصادي. أما عندما يكون الهامش ضعيفاً للغاية، فإن كل تطور جديد يتحول إلى أزمة سياسية محتملة، وقد تفقد الحكومة مرونتها في إدارة الاقتصاد.
وفي هذا السياق، ترى بعض بيوت الاستثمار أن الاحتفاظ بقدر من الحذر في التعامل مع الدين السيادي البريطاني هو الخيار الأنسب حالياً. ويشمل ذلك تفضيل السندات القصيرة الأجل والأوراق المرتبطة بالتضخم على الديون التقليدية طويلة الأجل، في محاولة للحد من الخسائر الرأسمالية إذا تعرضت السوق لهزة جديدة.
الرسالة الأساسية: الثقة أهم من الصياغة
الدرس الأبرز من هذه المعادلة أن الأسواق لا تراقب اللغة السياسية فقط، بل تبحث عن مصداقية قابلة للقياس. فكلما ضاقت المسافة بين الوعد والتمويل، زادت الحاجة إلى خطط واضحة ومعلنة، لأن الغموض المالي قد يكون مكلفاً حتى لو لم يظهر أثره فوراً.
وبالنسبة لبورنهام، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان الالتزام بقواعد المالية العامة، بل في إثبات القدرة على تنفيذ هذا الالتزام من دون تحويله إلى مجرد تأجيل للأزمة. وبين ضغوط الإنفاق، والتزامات الضرائب، وحساسية سوق السندات، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً مباشراً لمصداقية السياسة الاقتصادية البريطانية.