14-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الذهب يتراجع إلى أدنى مستوى في 11 أسبوعاً مع صعود الدولار وتفاقم مخاوف التضخم

هبطت أسعار الذهب مع قوة الدولار وارتفاع النفط وتزايد المخاوف من استمرار التضخم، بينما يترقب المستثمرون بيانات أميركية حاسمة قد تحدد مسار الفائدة المقبلة.

الذهب يواصل التراجع تحت ضغط الدولار والنفط

سجلت أسعار الذهب انخفاضاً جديداً خلال تداولات الأربعاء، لتصل إلى أدنى مستوياتها في نحو 11 أسبوعاً، في وقت تعرض فيه المعدن النفيس لضغوط متزامنة من قوة الدولار الأميركي وارتفاع أسعار النفط، إلى جانب تنامي القلق في الأسواق من بقاء معدلات الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً.

وفي السوق الفورية، تراجع الذهب بنسبة 1.8 في المائة إلى 4187.59 دولاراً للأوقية، وهو أدنى مستوى منذ أواخر مارس. كما هبطت العقود الآجلة الأميركية تسليم أغسطس بنسبة 1.7 في المائة لتسجل 4213.40 دولاراً للأوقية. ويمثل هذا الانخفاض الجلسة الرابعة على التوالي، ما يعكس تغيراً واضحاً في مزاج المستثمرين تجاه المعدن الذي يُنظر إليه عادة بوصفه ملاذاً آمناً.

وجاء الضغط الأكبر من صعود الدولار، إذ جعلت العملة الأميركية الذهب أعلى تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يتعاملون بعملات أخرى. كما ساهم ارتفاع النفط في تعزيز مخاوف التضخم، وهو عامل يدعم عادة توقعات استمرار التشديد النقدي ويقلص جاذبية الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب.

سياسة الفائدة تعيد تشكيل شهية المستثمرين

يرى محللون أن التحول في توقعات السياسة النقدية الأميركية كان المحرك الأبرز لهذا الهبوط. فمع ارتفاع عوائد السندات وصعود الدولار، أصبحت بيئة الاستثمار أقل ملاءمة للذهب مقارنة بالأسابيع السابقة، حين كانت التوقعات تميل إلى احتمال تيسير نقدي أسرع.

وأوضح مختصون في استراتيجيات الأسواق العالمية أن المزيج الحالي من قوة العملة الأميركية وارتفاع العوائد وضعف الرهان على خفض قريب للفائدة يضغط بقوة على المعدن الأصفر. فكلما ارتفعت الفائدة أو بقيت عند مستويات مرتفعة، تراجعت جاذبية الذهب لأنه لا يدر دخلاً دورياً يمكن مقارنته بعائد السندات أو الودائع.

وتأتي هذه التطورات في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات التضخم الأميركية الرئيسية، وفي مقدمتها مؤشر أسعار المستهلكين، إضافة إلى مؤشر أسعار المنتجين لاحقاً. وستكون هذه الأرقام حاسمة في تحديد ما إذا كان مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيميل إلى الإبقاء على سياسته المتشددة أو بدء التفكير في تخفيف تدريجي.

التوتر الجيوسياسي لم يمنح الذهب دعماً كافياً

عادة ما تستفيد أسعار الذهب من التصعيد الجيوسياسي، لكن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط لم تنجح في منح الأسعار دعماً مستداماً. فقد أدت الأعمال العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران إلى زيادة المخاوف في أسواق الطاقة، ورفعت تقديرات التضخم، إلا أن أثرها الإيجابي على الذهب ظل محدوداً أمام قوة الدولار وميل المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعات الفائدة.

كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يرفع تكلفة الإنتاج والنقل عالمياً، الأمر الذي يعزز توقعات بقاء التضخم فوق مستويات مريحة للبنوك المركزية. وفي هذه الحالة، تميل الأسواق إلى افتراض أن البنوك المركزية ستحتفظ بموقف حذر، وهو ما يقلص فرص صعود الذهب على المدى القصير.

وأشار محللون إلى أن الذهب كان يستفيد سابقاً من رهانات خفض الفائدة ومن الطلب التحوطي المرتبط بالتوترات السياسية، لكن مزيج العوامل الحالي غير متوازن لصالحه. فكلما تحسن أداء الدولار، فقد الذهب جزءاً من قدرته على الاحتفاظ بزخمه السعري، خصوصاً في غياب موجة شراء استثمارية جديدة.

مستويات الدعم والمخاطر الفنية

على الصعيد الفني، يرى متعاملون أن كسر مستويات الدعم القريبة قد يفتح الباب أمام موجة هبوط إضافية إذا استمرت الضغوط الحالية. ولفت بعض الاستراتيجيين إلى أن مستوى 4100 دولار للأوقية يمثل نقطة مفصلية، لأن تجاوزه نزولاً قد يدفع السوق إلى إعادة النظر في المسار السعري الكامل للذهب خلال الأشهر المقبلة.

وفي حال تعمق التراجع، فقد تبدأ الأسواق في اختبار نطاقات أقل بكثير مع نهاية العام، خاصة إذا جاءت بيانات التضخم الأميركية أقوى من المتوقع، أو إذا تمسكت البنوك المركزية الكبرى بنبرة أكثر تشدداً. وبالمقابل، فإن أي تراجع في قوة الدولار أو هبوط مفاجئ في العوائد قد يخفف الضغوط ويمنح الذهب فرصة لالتقاط الأنفاس.

ويؤكد المتعاملون أن السوق حالياً تتحرك وفق معادلة حساسة تجمع بين التضخم والسياسة النقدية وحركة الطاقة، وهي معادلة تجعل الذهب أكثر عرضة للتقلبات السريعة من أي وقت مضى. لذلك، يبقى مسار الأسعار في المدى القريب مرتبطاً بدرجة كبيرة بقراءات التضخم المقبلة وبالإشارات الصادرة عن الفيدرالي.

الفضة والبلاتين والبالاديوم تلحق بالهبوط

ولم تقتصر الخسائر على الذهب، إذ امتدت موجة التراجع إلى المعادن النفيسة الأخرى. فقد انخفضت الفضة في السوق الفورية بنسبة 1.5 في المائة لتصل إلى 64.43 دولاراً للأوقية، بينما هبط البلاتين بنسبة 2.8 في المائة إلى 1678.10 دولاراً، وتراجع البالاديوم بنسبة 0.8 في المائة ليسجل 1212.31 دولاراً للأوقية.

ويعكس هذا الأداء الضعيف اتساع موجة الحذر في أسواق المعادن، حيث يفضل المستثمرون تقليص التعرض للأصول التي لا توفر عائداً نقدياً مباشرًا في بيئة تتسم بارتفاع الفائدة وعدم اليقين السياسي. كما أن ارتفاع الدولار يزيد الضغط على هذه المعادن جميعها، لأن تسعيرها العالمي يتم بالدولار، ما يجعلها أقل جذباً للمشترين في الخارج.

الأنظار تتجه إلى بيانات التضخم المقبلة

في المحصلة، تبدو الأسواق في مرحلة ترقب حاسمة، إذ ستحدد بيانات التضخم الأميركية المقبلة ما إذا كان الذهب سيواصل خسائره أم سيحاول استعادة بعض التوازن. وإذا جاءت الأرقام أعلى من التقديرات، فقد يترسخ الاعتقاد بأن الفائدة ستبقى مرتفعة لفترة أطول، ما قد يضيف مزيداً من الضغط على المعدن الأصفر وبقية المعادن الثمينة.

أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً أو استقراراً أقل من المتوقع، فقد تتغير المعادلة سريعاً ويستعيد الذهب جزءاً من جاذبيته كأداة تحوط. وحتى ذلك الحين، تبقى حركة السوق مرهونة بمزيج معقد من الدولار، وأسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وتوقعات السياسة النقدية الأميركية.