15-Jul-2026 5 دقائق قراءة

القطاع غير النفطي السعودي يسرّع نموه في يونيو بدعم الطلبات الجديدة رغم ضغوط التكلفة

سجل القطاع الخاص غير المنتج للنفط في السعودية نمواً أسرع خلال يونيو، مع صعود مؤشر مديري المشتريات إلى 53.3 نقطة بدعم من أقوى زيادة في الطلبات الجديدة منذ أربعة أشهر، في وقت واصلت فيه الصادرات الضعف وارتفعت ضغوط التكاليف إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.

تسارع واضح في أداء القطاع الخاص

أظهر أحدث مسح لمؤشر مديري المشتريات في السعودية أن النشاط في القطاع الخاص غير المنتج للنفط أنهى الربع الثاني من العام على مسار أقوى، بعدما ارتفع المؤشر المعدل موسمياً من 52.8 نقطة في مايو إلى 53.3 نقطة في يونيو. وتبقى القراءة فوق مستوى 50 نقطة، ما يعني أن بيئة الأعمال واصلت التحسن للشهر الثاني على التوالي، مع مؤشرات على توسع أكثر رسوخاً في النشاط التشغيلي داخل السوق المحلية.

ويعكس هذا الارتفاع تحسناً في ظروف التشغيل العامة، ويأتي في وقت تترقب فيه الشركات أثر التغيرات في الطلب المحلي، ومستوى التكاليف، واستمرار التحديات في الأسواق الخارجية. وبحسب بيانات المسح، فإن التحسن لم يكن واسعاً في كل المكونات بالدرجة نفسها، لكنه كان واضحاً في عنصر الطلبات الجديدة الذي قاد الأداء الشهري إلى مستوى أفضل من الأشهر السابقة.

الطلبات الجديدة تقود الزخم

أبرز ما حملته القراءة الأخيرة هو أن الأعمال الجديدة سجلت أسرع وتيرة نمو منذ أربعة أشهر، وهو ما أعاد النشاط التجاري إلى مسار أكثر قوة. ويبدو أن تحسن الطلب المحلي، وزيادة الإنفاق، والحصول على موافقات لمشروعات جديدة أسهمت جميعها في دفع الشركات إلى استيعاب موجة إضافية من الطلبات خلال يونيو.

كما أشارت البيانات إلى أن جزءاً من هذا الزخم ارتبط بعودة بعض المبيعات المؤجلة إلى الواجهة، بعدما تراجعت المخاوف المرتبطة بالتوترات الإقليمية، الأمر الذي عزز ثقة المستهلكين والمستثمرين داخل المملكة. وفي هذا السياق، بدا أن الشركات استفادت من بيئة محلية أكثر استقراراً، سمحت بزيادة النشاط دون الحاجة إلى تغييرات حادة في نماذج التشغيل أو التوظيف.

ويمكن قراءة هذا التحسن باعتباره إشارة إلى أن الطلب المحلي لا يزال المحرك الأهم للنمو في القطاع غير النفطي، خصوصاً في ظل استمرار الضبابية خارجياً. كما أن ارتفاع الطلبات الجديدة غالباً ما يسبق توسعاً أوسع في الإنتاج والاستثمار الرأسمالي، إذا استمر الاتجاه الإيجابي خلال الأشهر المقبلة.

الإنتاج ثابت والتوظيف دون تغير كبير

البيانات أظهرت أيضاً أن مستويات الإنتاج واصلت مسارها الإيجابي بوتيرة مستقرة. فقرابة 18 في المائة من الشركات المشمولة في المسح سجلت نمواً في النشاط خلال يونيو، مقابل 2 في المائة فقط أعلنت تراجعاً. وهذا الفارق يعكس قاعدة تشغيلية تميل بوضوح إلى التوسع، حتى لو لم يكن النمو في جميع القطاعات بالسرعة نفسها.

وفي موازاة ذلك، لم تسجل مستويات التوظيف تغيراً جوهرياً، ما يعني أن الشركات فضلت إدارة الطلب المتزايد عبر رفع الكفاءة التشغيلية واستيعاب الضغط القائم من دون توسع كبير في العمالة. كما انخفضت الأعمال المتراكمة للمرة الأولى منذ عام كامل، وهو مؤشر مهم على قدرة الشركات على معالجة الطلبات بوتيرة أسرع من تراكمها، وعلى المحافظة على انسيابية العمليات.

هذه الصورة توحي بأن القطاع يعيش مرحلة توسع محسوب، لا يعتمد على التوظيف السريع بقدر ما يعتمد على تحسين إدارة الإنتاج والموارد. وبالنسبة للشركات، فإن هذا النمط من النمو قد يكون أكثر استدامة إذا تزامن مع استقرار التكاليف ووضوح أكبر في تدفقات الطلب.

الصادرات ما زالت تحت الضغط

على الرغم من قوة السوق المحلية، لم تكن الصورة نفسها في جانب الطلب الخارجي. فقد تراجعت الطلبات الجديدة من العملاء الأجانب للشهر الرابع على التوالي، متأثرة بعوامل لوجستية إقليمية وباشتداد المنافسة في الأسواق الدولية. وهذا التراجع يوضح أن نمو القطاع غير النفطي السعودي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على السوق الداخلية، بينما يواجه تحديات واضحة في التوسع التصديري.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن ضعف الصادرات قد يحد من تنوع مصادر النمو على المدى المتوسط، خصوصاً إذا ظلت الأسواق الخارجية غير مستقرة أو ظلت تكاليف النقل والشحن مرتفعة. كما أن استمرار التراجع في الطلب الخارجي قد يدفع الشركات إلى التركيز أكثر على السوق المحلية، ما يعزز المنافسة داخلياً ويزيد الحاجة إلى رفع الكفاءة والابتكار في العرض.

وبالمحصلة، فإن الصورة الحالية تعكس اقتصاداً غير نفطي يستفيد من الطلب الداخلي، لكنه لا يزال يواجه سقفاً خارجياً واضحاً يحد من توسع بعض الشركات في التصدير والانتشار الإقليمي.

التكلفة والتضخم يضغطان على الشركات

في المقابل، بقيت ضغوط الأسعار من أبرز العوامل التي تؤثر في هوامش الربحية. فقد أنهت أسعار مستلزمات الإنتاج أقوى ربع سنوي لتضخم التكاليف منذ 15 عاماً، مع ارتفاع واضح في أسعار الوقود والشحن والأجور. وهذه الزيادة تعني أن الشركات دخلت الربع الثالث وهي تحمل عبئاً تشغيلياً أثقل من المعتاد، حتى مع تحسن الطلب.

ونتيجة لذلك، رفعت نحو 22 في المائة من الشركات أسعار بيعها خلال يونيو، في ثاني أسرع وتيرة لزيادة الأسعار النهائية منذ نحو ست سنوات. ويعكس ذلك انتقال جزء من تكلفة المدخلات إلى المستهلك النهائي، وهو خيار تلجأ إليه الشركات عادة عندما تصبح الزيادات في الكلفة صعبة الامتصاص بالكامل داخل هوامش الربح.

ومع أن هذا التطور قد يساعد الشركات على حماية ربحيتها على المدى القصير، فإنه قد يفرض ضغوطاً إضافية على الطلب إذا استمر لفترة طويلة. لذلك، يبقى التوازن بين التسعير والقدرة الشرائية من أهم التحديات التي ستواجه القطاع في النصف الثاني من العام.

قراءة اقتصادية أوسع للنصف الثاني من العام

تشير القراءة العامة للمؤشر إلى أن القطاع الخاص غير المنتج للنفط في السعودية أنهى يونيو بزخم جيد، مدعوماً بتوسع الطلب المحلي وتحسن الإنتاج واستقرار نسبي في التشغيل. لكن هذا المسار الإيجابي لا يخلو من نقاط ضعف، أبرزها ضعف الطلب الخارجي وارتفاع تكاليف المدخلات، وهما عاملان قد يحدان من سرعة التوسع إذا لم يتراجعا تدريجياً.

ومن منظور الأعمال، يبدو أن الشركات السعودية غير النفطية تدخل النصف الثاني من العام وهي أكثر قدرة على إدارة النمو، لكنها تحتاج إلى التعامل بحذر مع بيئة تكاليف لا تزال مرتفعة. وفي حال استمر تحسن الطلب المحلي مع استقرار الضغوط السعرية، فقد يواصل القطاع تسجيل قراءات قوية تعكس متانة القاعدة الاقتصادية غير النفطية في المملكة.

أما إذا ظل التصدير ضعيفاً وبقيت المدخلات عند مستويات تضخمية مرتفعة، فقد يتطلب الأمر من الشركات إعادة ضبط خطط التوسع والتسعير، بما يضمن الحفاظ على التنافسية دون التضحية بالربحية. وبين هذين المسارين، تظل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان زخم يونيو بداية موجة نمو أوسع أم مجرد تحسن مؤقت مدفوع بعوامل داخلية محددة.