مفاوضات جديدة حول خط التصدير
تتحرك بغداد وأنقرة نحو اتفاق جديد يُبقي خط أنابيب كركوك-جيهان قيد التشغيل لمدة عام إضافي، مع رغبة عراقية واضحة في رفع القدرة التشغيلية إلى 750 ألف برميل يومياً. وبحسب التصريحات التركية، فإن السعة المطلوبة يمكن استيعابها ضمن الترتيبات الفنية المتاحة حالياً، ما يعكس أهمية الخط في شبكة تصدير النفط العراقية.
وينتهي العمل بالاتفاق القائم بين البلدين خلال الشهر الجاري، غير أن الجانبين توصلا إلى تفاهم مبدئي الأسبوع الماضي لاستمرار الضخ عاماً آخر. ومن المتوقع أن تُستكمل المباحثات بتوقيع صيغة جديدة خلال الأيام المقبلة، في إطار محاولة لتفادي أي توقف في أحد أهم مسارات التصدير البرية للعراق.
ويأتي هذا التطور في لحظة حساسة لأسواق الطاقة الإقليمية، حيث تزداد الحاجة إلى مسارات بديلة ومرنة لنقل الخام، خصوصاً مع تعقّد المشهد الملاحي في المنطقة وارتفاع المخاطر المرتبطة بالنقل البحري.
التحكيم والملفات العالقة
أشار وزير الطاقة التركي إلى أن قرار هيئة التحكيم المرتبط بخط الأنابيب سيكون جزءاً من النقاشات الجارية حول الاتفاق المقبل. وهذا يعني أن الملف لا يقتصر على الجوانب التشغيلية فقط، بل يمتد أيضاً إلى التزامات قانونية ومالية قد تؤثر في شكل العلاقة المستقبلية بين البلدين في مجال الطاقة.
وتحافظ أنقرة على موقف يفيد بأنها خصصت قدرة نقل كافية لتلبية الطلب العراقي الجديد، بينما تسعى بغداد إلى الاستفادة من البنية التحتية القائمة لرفع حجم الصادرات واستقرار التدفقات المالية المرتبطة بالنفط، وهو المورد الأهم في موازنة الدولة العراقية.
كما يكتسب المسار القانوني أهمية إضافية لأن أي تسوية جديدة ستحتاج إلى معالجة نتائج التحكيم السابقة، بما يضمن عدم تحول الخلافات الفنية أو المالية إلى عائق أمام استمرار التشغيل.
أهمية استراتيجية تتجاوز السوق العراقية
أعاد إغلاق إيران مضيق هرمز تسليط الضوء على خط كركوك-جيهان، بعدما تأثرت الصادرات العراقية المنقولة بحراً. وفي هذا السياق، لم يعد الخط مجرد منفذ إضافي، بل تحول إلى أصل استراتيجي يتيح للعراق تنويع قنوات التصدير وتقليل تعرضه للمخاطر المرتبطة بالممرات البحرية.
ويرى مراقبون أن أي زيادة في السعة إلى 750 ألف برميل يومياً ستمنح العراق هامشاً أكبر لإدارة صادراته، خاصة في حال استمرار الضغوط الجيوسياسية أو ظهور عراقيل في خطوط الشحن البحرية. كما أن الخط يمنح تركيا موقعاً مهماً كحلقة عبور للطاقة بين الشرق الأوسط وأوروبا.
وتزداد قيمة هذا المسار في ظل سعي الأسواق إلى تأمين إمدادات مستقرة، إذ إن النفط المنقول عبر الأنابيب يظل أقل عرضة لبعض المخاطر التشغيلية مقارنة بالشحن البحري في بيئات مضطربة.
احتمالات أوسع للربط الإقليمي
لفت الوزير التركي أيضاً إلى أن تمديد خط كركوك-جيهان إلى البصرة قد يفتح الباب أمام استخدامه من قبل الكويت لتصدير نفطها عبر هذا المسار، في إشارة إلى إمكانية بناء شبكة إقليمية أوسع للنقل البري للخام. ورغم أن هذا السيناريو لا يزال نظرياً، فإنه يعكس تفكيراً أوسع في تحويل الخط إلى بنية تحتية متعددة الاستخدامات.
مثل هذا الربط، إذا تحقق، قد يمنح المنطقة خياراً إضافياً لتقليل الاعتماد على مسارات الشحن المزدحمة أو المعرضة للتوترات. كما أنه قد يدعم فكرة التكامل في البنية التحتية للطاقة بين دول الخليج والعراق وتركيا، بما يخلق فرصاً تجارية ولوجستية جديدة.
لكن تنفيذ أي توسع من هذا النوع يتطلب استثمارات كبيرة، وترتيبات سياسية وفنية معقدة، إلى جانب توافق على الرسوم والقدرات التشغيلية والربط مع الحقول وخطوط النقل الداخلية.
ما الذي يعنيه ذلك للعراق وتركيا؟
بالنسبة إلى العراق، فإن تأمين منفذ ثابت وقابل للتوسع يعني تعزيز الإيرادات وتخفيف الحساسية تجاه أي تعطّل في منافذ التصدير الأخرى. أما تركيا، فتمثل المفاوضات فرصة لتعزيز دورها كممر رئيسي للطاقة، مع الاستفادة من رسوم العبور والتشغيل، فضلاً عن ترسيخ موقعها في خرائط الإمداد الإقليمية.
ومع اقتراب الموعد النهائي للاتفاق الحالي، تبدو الأولوية لدى الطرفين واضحة: الحفاظ على تشغيل الخط بلا انقطاع، ثم الانتقال إلى اتفاق أكثر استقراراً يحدد السعة والالتزامات القانونية ومسارات الصيانة والتعويضات المحتملة.
وبالنظر إلى التطورات الأخيرة في أسواق الطاقة الإقليمية، فإن أي خطوة نحو رفع السعة ليست مجرد قرار تقني، بل جزء من إعادة ترتيب أوسع لخريطة التصدير والأمن الطاقوي في الشرق الأوسط.