موجة صعود أوروبية تقودها القطاعات الدورية
واصلت الأسهم الأوروبية تقدمها في جلسة الجمعة، مع تسجيل مؤشر «ستوكس 600» الإقليمي مستوى قياسياً جديداً، ليقترب من تحقيق أفضل أداء أسبوعي له منذ أكثر من شهر. وجاء هذا الصعود مدفوعاً بتحسن الإقبال على الأسهم المرتبطة بالنمو الاقتصادي، إلى جانب تراجع رهانات المستثمرين على تشديد نقدي أميركي قريب.
وارتفع المؤشر الأوروبي القياسي بنحو 0.5 في المائة ليصل إلى 651.52 نقطة، مستفيداً من اتساع نطاق المكاسب خارج قطاع التكنولوجيا، الذي كان المحرك الرئيسي للأسواق في فترات سابقة. ومع نهاية التداولات الصباحية في أوروبا، بدا أن الزخم يتجه نحو إغلاق أسبوعي قوي يعكس تغيراً في شهية المستثمرين تجاه المخاطر.
وكان مؤشر «داكس» الألماني الأبرز بين الأسواق الرئيسية، بعدما صعد 0.9 في المائة وسجل هو الآخر مستوى قياسياً جديداً. وساعدت هذه الحركة في تأكيد أن التعافي لم يعد محصوراً في سوق أو قطاع واحد، بل أصبح أكثر انتشاراً بين البورصات الأوروبية الكبرى.
سيمنز والدفاع الأوروبي ضمن الرابحين
في ألمانيا، برز سهم «سيمنز» بين أكبر الداعمين للمؤشرات، بعد أن رفعت إحدى شركات الوساطة تصنيف السهم من توصية سلبية إلى توصية حيادية. وقفز السهم 1.2 في المائة، ليكون من بين أكبر المساهمين في صعود «داكس» خلال الجلسة.
كما ارتفعت أسهم شركات الدفاع الأوروبية بنحو 0.8 في المائة، مع استمرار تأثير التوترات الجيوسياسية على التوقعات الخاصة بالإنفاق العسكري والإنتاج الدفاعي. وأصبحت هذه الأسهم من بين أفضل القطاعات أداءً خلال الأسبوع، في ظل بحث المستثمرين عن الشركات المستفيدة من الطلب الحكومي طويل الأجل.
وبالتوازي، واصلت قطاعات الصناعات والبنوك والخدمات المالية تسجيل مكاسب لافتة، ما أشار إلى اتساع قاعدة الصعود. ويمثل ذلك تحولاً مهمًا مقارنة بالفترات التي كانت فيها مكاسب الأسواق محصورة بشكل أكبر في أسهم التكنولوجيا والشركات ذات النمو المرتفع.
بيانات أميركية أضعف تعيد تسعير الفائدة
أسهمت البيانات الأميركية الأخيرة في تغيير توقعات المتعاملين، بعدما جاءت أرقام الوظائف أضعف من المنتظر، الأمر الذي دفع الأسواق إلى خفض احتمالات رفع أسعار الفائدة من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة القريبة المقبلة. هذا التحول في التوقعات دعم الأسهم الأوروبية، لأن تراجع الضغط على السياسات النقدية عادة ما يحسن البيئة التمويلية للأسواق العالمية.
كما ساعدت مؤشرات على انحسار التوترات في الشرق الأوسط في تخفيف الطلب على الملاذات الآمنة، ما أضاف دعماً إضافياً للأصول الخطرة، بما فيها الأسهم. وفي الوقت نفسه، أظهرت البيانات الاقتصادية العالمية أن النشاط لا يزال صامداً، وهو ما خفف مخاوف المستثمرين من تباطؤ حاد في النمو.
ورغم ذلك، فإن الصورة العامة لم تخلُ من التباين. فبينما تشهد الأسواق المالية دعماً من توقعات التيسير النقدي، لا تزال بعض المؤشرات الاقتصادية تشير إلى متانة أساسية في الاقتصاد العالمي، ما يبقي الفرضيات مفتوحة أمام تحركات سريعة في العوائد والعملات والأسهم خلال الأسابيع المقبلة.
أسهم الشركات الأوروبية تتفاعل مع النتائج والتصنيفات
على مستوى الشركات، ارتفع سهم «بلاكسي» الفرنسية المتخصصة في القسائم والمزايا 6.4 في المائة بعد أن جاءت نتائجها التشغيلية أفضل من المخاوف السائدة، إذ تقلص الانخفاض في المبيعات العضوية خلال الربع الثالث إلى مستوى أقل من المتوقع. وأظهر ذلك أن السوق ما زالت تكافئ الشركات التي تنجح في تجاوز التحديات الاستهلاكية بقدر أفضل من التقديرات السابقة.
وتعكس تحركات الأسهم الفردية في أوروبا مزيجاً من العوامل المرتبطة بالتصنيفات الاستثمارية والنتائج الفصلية، إلى جانب البيئة الكلية الأوسع. ومع استمرار الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة وتغير الرهانات بشأن توقيتها، أصبح المستثمرون أكثر حساسية لأي إشارة تخص الإنفاق الرأسمالي، والطلب الصناعي، وهوامش الربحية.
كما أن عودة الاهتمام بالقطاعات الدورية، مثل البنوك والصناعة والخدمات المالية، توحي بأن الأسواق تسعّر احتمال استمرار النشاط الاقتصادي أفضل مما كان متوقعاً في بداية الربع. وفي المقابل، فإن أسهم الدفاع تظل مرتبطة بعامل جيوسياسي يجعلها أقل حساسية لدورات النمو التقليدية وأكثر اعتماداً على قرارات الموازنات الحكومية.
اتساع الصعود يرفع ثقة المستثمرين في نهاية الأسبوع
يرى متعاملون أن قوة السوق في نهاية الأسبوع تعكس خليطاً من العوامل الفنية والاقتصادية، من بينها تراجع الضغوط على الفائدة الأميركية، واستمرار أداء الشركات المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي، وتحسن المزاج العام في الأسواق العالمية. وفي مثل هذه البيئات، تميل المؤشرات واسعة النطاق إلى الاستفادة أكثر من المؤشرات المتركزة في عدد محدود من الشركات الكبرى.
ويمنح تسجيل مستويات قياسية جديدة في أوروبا إشارة إضافية إلى أن المستثمرين يبحثون عن فرص خارج الولايات المتحدة، خاصة عندما تتراجع التوقعات بشأن استمرار التشديد النقدي. كما أن تفوق «داكس» الألماني يعكس حساسية السوق الأوروبية لأي تطور في الصناعة والتصدير والدورة الاقتصادية.
ومع أن جلسة الجمعة قد لا تكون حاسمة وحدها في تحديد الاتجاه المتوسط الأجل، فإنها تؤكد أن الأسواق الأوروبية دخلت مرحلة أكثر اتساعاً في المشاركة بالارتفاع. وإذا استمرت البيانات الأميركية في دعم سيناريو تهدئة الفائدة، فقد تبقى الأسهم الأوروبية في موقع جيد للحفاظ على مكاسبها خلال الفترة المقبلة.