15-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الجنيه الإسترليني يسجل أعلى مستوى في 10 أشهر مقابل اليورو مع تراجع المخاوف السياسية في بريطانيا

ارتفع الجنيه الإسترليني إلى أعلى مستوى له في عشرة أشهر أمام اليورو، مدعوماً بتراجع جزئي في حالة عدم اليقين السياسي في بريطانيا، بينما بقي الدولار عاملاً ضاغطاً على أداء العملة البريطانية.

الإسترليني يواصل مكاسبه أمام اليورو

سجل الجنيه الإسترليني مستوى هو الأعلى له في عشرة أشهر مقابل اليورو، في جلسة اتسمت بترقب واضح في أسواق الصرف البريطانية والأوروبية. وجاء هذا التحسن في وقت يراقب فيه المستثمرون مزيجاً من العوامل السياسية والاقتصادية، من بينها احتمالات تغير القيادة الحكومية في بريطانيا واتساع النقاش حول المسار المقبل للسياسة المالية.

وبحسب حركة التداولات الأخيرة، تراجع اليورو إلى 86.03 بنس، وهو أدنى مستوى له منذ أغسطس 2025، قبل أن يقلص بعض خسائره بشكل طفيف. ويعكس هذا الأداء تبدل ميزان التوقعات في السوق لمصلحة العملة البريطانية، ولو بشكل محدود، مع بقاء الحذر مهيمناً على قرارات المستثمرين.

في المقابل، لم يكن أداء الإسترليني متيناً أمام الدولار، إذ انخفض قليلاً إلى 1.319 دولار. كما هبط اليورو أمام العملة الأميركية بنسبة طفيفة، ما يشير إلى أن قوة الدولار ما زالت تحد من أي صعود واسع للعملات الأوروبية.

العامل السياسي يخفف الضغط على العملة البريطانية

يركز المتعاملون في السوق على المشهد السياسي في بريطانيا، خصوصاً مع تزايد الاحتمالات بأن تتولى شخصية جديدة رئاسة الحكومة. هذا التحول المحتمل يراه بعض المحللين عاملاً قد يخفف قدرًا من الغموض الذي يحيط بالسياسات الاقتصادية المقبلة، وهو ما يمنح الإسترليني دعماً نفسياً في التداولات.

وانسحاب أحد أبرز المنافسين من سباق قيادة حزب العمال عزز التوقعات بأن الطريق بات أكثر وضوحاً أمام مرشح آخر يُنظر إليه على أنه الأوفر حظاً. وفي العادة، تؤدي مثل هذه التحولات إلى إعادة تسعير الأصول البريطانية، خاصة عندما يرتبط الأمر بمسار الضرائب والإنفاق والاستثمار العام.

كما طُرحت تكهنات بشأن احتمال تغييرات في الفريق الاقتصادي، بما في ذلك وزارة المالية، إذا ما تحقق هذا السيناريو السياسي. ويُنظر إلى أي تعديل من هذا النوع باعتباره مؤشراً مهماً للأسواق، لأن المستثمرين يربطون بصورة مباشرة بين توجهات وزارة المالية وآفاق النمو والإنفاق العام والضبط المالي.

رهانات السوق بين الفائدة والنمو

يرى محللون أن تقلص عدم اليقين السياسي قد يساعد الجنيه الإسترليني على الاحتفاظ بجزء من مكاسبه، لأن الأسواق تفضل عادة الوضوح على الغموض عندما يتعلق الأمر بالسياسات الاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذا الدعم يظل مشروطاً بقدرة الحكومة المقبلة على تقديم رؤية قابلة للتنفيذ في الملفات المالية والاقتصادية الأكثر حساسية.

وتبقى التوقعات المرتبطة بالنمو عاملاً محورياً في تسعير العملة. فإذا اعتبرت الأسواق أن القيادة المقبلة ستكون أقل صداماً وأكثر ميلاً إلى دعم النشاط الاقتصادي، فقد ينعكس ذلك إيجاباً على الجنيه. أما إذا بقيت المخاوف بشأن تباطؤ الاقتصاد والضغوط المالية قائمة، فقد يكون تأثير السياسة محدوداً.

من جهة أخرى، يشير خبراء إلى أن الأسواق ما زالت في مرحلة «تفاؤل حذر»، أي أنها تمنح الإسترليني بعض الدعم لكنها لا تتعامل مع الصعود باعتباره اتجاهاً مضموناً أو مستداماً. هذا النمط من التداول يعكس حالة ترقب راسخة في سوق العملات، حيث تتحرك الأسعار بسرعة مع أي تغيير في التوقعات الاقتصادية أو السياسية.

الدولار يحافظ على ضغطه على العملات الرئيسية

رغم صعوده أمام اليورو، لا يزال الجنيه الإسترليني يواجه ضغوطاً أمام الدولار الأميركي. وخسر الإسترليني نحو 2 في المائة خلال الشهر الحالي مقابل العملة الأميركية، مع اعتقاد متزايد لدى الأسواق بأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يواصل تشديد السياسة النقدية بوتيرة أسرع من بنك إنجلترا.

هذا الفارق في التوقعات يفسر جانباً كبيراً من حركة العملات في الفترة الأخيرة. فعندما تتسع الفجوة بين الفائدة المتوقعة في الولايات المتحدة ونظيرتها في بريطانيا، يميل المستثمرون إلى تفضيل الأصول الدولارية، ما يرفع جاذبية الدولار على حساب الإسترليني واليورو معاً.

وتظهر التسعيرات الحالية أن الأسواق تراهن على رفع الفائدة الأميركية بنحو 38 نقطة أساس خلال هذا العام، مقابل نحو 24 نقطة أساس لبنك إنجلترا. وهذه الفجوة، وإن بدت محدودة رقمياً، فإنها كافية لتغيير اتجاهات السيولة في أسواق الصرف، خصوصاً في الفترات التي تزداد فيها حساسية المستثمرين تجاه عوائد السندات والأسهم والنقد الأجنبي.

ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين والشركات؟

تحركات الإسترليني أمام اليورو والدولار ليست مجرد أرقام يومية في شاشات التداول، بل تحمل انعكاسات مباشرة على الشركات والمستوردين والمصدرين والمستهلكين. فارتفاع الجنيه مقابل اليورو قد يخفف كلفة الواردات الأوروبية لبعض الشركات البريطانية، لكنه في المقابل قد يقلص القدرة التنافسية للصادرات إلى منطقة اليورو.

أما أمام الدولار، فتشعر الشركات البريطانية المستوردة للسلع المقومة بالعملة الأميركية بأي هبوط في الإسترليني بصورة أسرع، لأن ذلك يرفع كلفة الشراء والتوريد. وفي أسواق التمويل والاستثمار، غالباً ما يراقب المديرون الماليون هذه التحركات لتعديل استراتيجيات التحوط وإدارة المخاطر.

وبالنسبة للمستثمرين، تشير هذه التطورات إلى أن سوق العملات لا تزال أسيرة عاملين متداخلين: السياسة من جهة، وسعر الفائدة من جهة أخرى. وإذا نجحت الحكومة البريطانية المقبلة في تقليص الضبابية حول السياسات الاقتصادية، فقد يظل الإسترليني مدعوماً نسبياً. أما إذا استمرت الضغوط التضخمية واشتدت قوة الدولار عالمياً، فقد يبقى الصعود محدوداً ومتقطعاً.

في المجمل، يعكس أداء الجنيه الإسترليني الحالي سوقاً تبحث عن توازن جديد بين الاستقرار السياسي والاتجاهات النقدية العالمية. وحتى تظهر إشارات أوضح من بنك إنجلترا والاحتياطي الفيدرالي، من المرجح أن تظل تحركات العملة البريطانية رهناً بالتوقعات أكثر من ارتباطها بعوامل أساسية ثابتة.