سجلت أسواق الأسهم الخليجية بداية ضعيفة للتعاملات مع عودة التوترات الجيوسياسية إلى واجهة المشهد في الشرق الأوسط، في وقت زادت فيه تحركات أسعار النفط من تباين أداء القطاعات المرتبطة بالطاقة والأسهم الدفاعية. وجاءت الضغوط في جلسة اتسمت بالحذر، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر بانتظار وضوح أكبر بشأن مسار الأحداث في المنطقة.
وتأثرت المعنويات بعد تقارير عن انفجارات في عدد من المدن الإيرانية، إلى جانب تصريحات أميركية أشارت إلى أن احتمال التوصل إلى تسوية لا يزال قائماً، مع دعوات لتجنب مزيد من التصعيد. هذا المزيج من المخاوف والرسائل السياسية أبقى الأسواق في حالة ترقب، ودفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المخاطر المرتبطة بالنفط والنمو الاقتصادي في المنطقة.
تراجع واسع في مؤشرات الإمارات وقطر
في الإمارات، قادت الأسهم القيادية المؤشرات إلى الهبوط، إذ انخفض مؤشر دبي الرئيسي بشكل ملحوظ مع تراجع بعض الأسماء المرتبطة بالعقار والخدمات. وجاء الضغط من هبوط سهم إعمار العقارية وسهم سالك، ما عكس حذر المستثمرين تجاه القطاعات الحساسة لتبدل المزاج العام في السوق.
وفي أبوظبي، واصل المؤشر مساره الهابط متأثراً بتراجع العالمية القابضة وبنك أبوظبي الأول. ويعكس هذا الأداء أن التوترات الإقليمية لا تضغط فقط على الأسهم الدورية، بل تمتد أيضاً إلى البنوك والشركات الكبرى التي يرتبط أداؤها غالباً بتوقعات السيولة والنشاط الاقتصادي.
أما في قطر، فقد خسر المؤشر الرئيسي جزءاً من مكاسبه السابقة مع انخفاض سهم بنك قطر الوطني. ويُنظر إلى البنوك عادة بوصفها مؤشراً على الثقة في السوق، لذلك فإن تراجعها في مثل هذه الجلسات يعكس اتساع نطاق التحفظ لدى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
السوق السعودية تحت تأثير متوازن بين النفط والضغوط المحلية
في السعودية، جاء الأداء أكثر توازناً، إذ سجل المؤشر الرئيسي خسارة محدودة مقارنة ببعض الأسواق الخليجية الأخرى. وتعرض سهم مصرف الراجحي لضغوط، بينما تحرك سهم أرامكو السعودية في الاتجاه الصاعد بدعم من ارتفاع أسعار الخام العالمية.
وساهم صعود عقود خام برنت إلى مستويات أعلى في منح أسهم الطاقة دعماً نسبياً، لكن هذا الأثر الإيجابي لم يكن كافياً لتعويض حالة الحذر التي سيطرت على السوق الأوسع. ويُظهر ذلك أن ارتفاع النفط قد يوفر دعماً انتخابياً لأسهم الطاقة، لكنه في الوقت ذاته يثير قلقاً بشأن استدامة الطلب العالمي والنشاط الصناعي إذا ارتبط باضطرابات عرض حادة.
اضطراب الإمدادات يضغط على قرارات التكرير في الصين
خارج الخليج، انعكس المشهد الإقليمي مباشرة على قطاع التكرير الآسيوي، حيث أرجأت شركات صينية مشروعين كبيرين كان من المخطط تشغيلهما هذا العام. ويأتي ذلك بعد تعطل تدفقات النفط القادمة من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع الشركات إلى إعادة النظر في الجداول الزمنية للتشغيل وسط ارتفاع مستوى عدم اليقين.
ويؤثر التأجيل على طاقة تكريرية إجمالية تقارب 500 ألف برميل يومياً، ما قد يحد من نمو الطلب الصيني على الخام في المدى القريب. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن الصين تعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وأي تباطؤ في تشغيل المصافي الجديدة ينعكس على توازنات السوق الدولية.
ومن بين المشاريع المتأثرة، مشروع تابع لمجموعة هابكو البتروكيماوية، وهو مشروع مشترك يرتبط بشراكة بين أرامكو السعودية وشركاء صينيين. وجرى تأجيل بدء تشغيل المصفاة من الربع الثاني إلى أشهر لاحقة بسبب الضبابية المحيطة بإمدادات المواد الخام. كما شمل التأجيل وحدة تكسير إيثيلين ووحدة لإنتاج الباراكسيلين، وهما مكونان أساسيان في سلاسل البتروكيماويات.
مصفاة داليان وهبوط هوامش الربح
كما شمل التباطؤ مشروعاً آخر في داليان، حيث تم تأجيل إعادة تشغيل وحدة تكرير النفط الخام التابعة لـبتروتشاينا إلى أجل غير مسمى. وكانت الشركة تأمل في الاستفادة من الفوارق السعرية المرتبطة بالنفط الروسي منخفض التكلفة، غير أن هذه الميزة تقلصت مع زيادة المنافسة وتبدل ظروف الإمداد العالمية.
وتواجه شركات التكرير الصينية حالياً بيئة تشغيل أكثر صعوبة، إذ ارتفعت كلفة الخام بفعل اضطرابات الإمدادات، بينما لا تستطيع الشركات تمرير كامل هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي بسبب القيود التنظيمية على أسعار الوقود. وفي الوقت نفسه، يواصل نمو السيارات الكهربائية الضغط على الطلب التقليدي على المشتقات النفطية، ما يضيق هوامش الربح أكثر فأكثر.
وتكشف البيانات الحكومية أن معدلات تشغيل المصافي في الصين هبطت إلى نحو 13.3 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2022. ويمثل ذلك نحو 69 في المائة من الطاقة الإنتاجية التقديرية، ما يشير إلى أن جزءاً كبيراً من القطاع يعمل دون كامل طاقته بسبب ضعف الاقتصاديات التشغيلية وعدم اليقين في السوق.
آسيا تتصدر الإضافات الجديدة في الطاقة التكريرية
رغم موجة التأجيلات، ما تزال آسيا تستحوذ على الحصة الأكبر من الطاقة التكريرية الجديدة المتوقع دخولها الخدمة هذا العام. ففي الهند، من المنتظر أن تضيف شركتا هندوستان بتروليوم وإنديان أويل كورب طاقة تكريرية جديدة تتجاوز نصف مليون برميل يومياً، ما يعزز موقع السوق الهندية كمحور رئيسي في توسع قطاع التكرير الآسيوي.
لكن هذا التوسع ليس خالياً من التعثرات، إذ واجه أحد المشاريع الهندية تأخيراً بسبب حريق، بينما أرجأت الشركة الحكومية الأخرى استكمال أعمال التوسعة في عدد من المصافي إلى مواعيد لاحقة خلال العام. ويعكس ذلك أن صناعة التكرير في آسيا، رغم نموها، تبقى شديدة الحساسية لأي صدمات تشغيلية أو جيوسياسية.
في المحصلة، تكشف تحركات اليوم أن أسواق الخليج لا تتحرك بمعزل عن التطورات الإقليمية، وأن التوترات الجيوسياسية باتت تؤثر مباشرة في شهية المستثمرين وفي قرارات الاستثمار والطاقة والتكرير. وبينما يمنح ارتفاع النفط دعماً محدوداً لبعض الشركات الكبرى، فإن الضبابية العامة تظل العامل الأكثر تأثيراً على اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة.