07-Jul-2026 4 دقائق قراءة

الصين تؤجل تشغيل مصفاتيْن مع تراجع هوامش التكرير واضطراب إمدادات النفط

أجّلت شركات تكرير صينية تشغيل مشروعين بطاقة إجمالية تبلغ 500 ألف برميل يومياً، مع استمرار اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الخام وتراجع الطلب على الوقود.

تأجيلات جديدة تضغط على قطاع التكرير الصيني

أرجأت شركات تكرير في الصين تشغيل مشروعين كبيرين كان من المقرر دخولهما الخدمة هذا العام، في خطوة تعكس حجم الاضطراب الذي أصاب سوق النفط بعد تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز. ويأتي هذا التراجع في وقت يواجه فيه القطاع الصيني ضغوطاً مزدوجة: ارتفاع أسعار الخام من جهة، وتراجع استهلاك الوقود من جهة أخرى.

وتبلغ الطاقة الإنتاجية المشتركة للمشروعين نحو 500 ألف برميل يومياً، وهو حجم كافٍ للتأثير في خطط الإمداد والتشغيل لدى واحدة من أكبر منظومات التكرير في العالم. كما أن التأجيلات تشير إلى أن شركات الطاقة الصينية باتت أكثر تحفظاً في اتخاذ قرارات التشغيل عندما تتداخل المخاطر الجيوسياسية مع ضعف العائدات التشغيلية.

وفي الوقت الذي كانت فيه الشركات تراهن على توسعة طاقتها التكريرية، دفعت التطورات الإقليمية إلى إعادة ترتيب الجداول الزمنية، خصوصاً مع صعوبة التنبؤ بتدفق الخام وتكاليفه خلال الأشهر المقبلة.

مشروع هواجين أرامكو في بانجين يتأخر إلى الربع الثالث

أحد المشروعين المتأثرين هو مصفاة تابعة لشركة هواجين أرامكو للبتروكيماويات، وهي مشروع مشترك يضم أرامكو السعودية ومجموعة نورينكو الصينية ومجموعة بانجين شينتشنغ الصناعية. وتبلغ الطاقة التصميمية للمصفاة 300 ألف برميل يومياً، وكان من المتوقع أن تبدأ التشغيل في الربع الثاني، قبل أن يُرجأ الموعد إلى سبتمبر أو أوائل أكتوبر.

وبحسب تقديرات نقلتها مصادر في السوق، فإن التأخير مرتبط بحالة عدم اليقين بشأن توافر المواد الخام، في ظل اضطراب خطوط الإمداد المرتبطة بمضيق هرمز. كما أن بعض التقديرات المستقلة رجّحت بدء التشغيل في النصف الثاني من الربع الثالث، وهو ما يعكس استمرار الغموض حول توقيت استقرار الإمدادات.

ويشمل المشروع أيضاً وحدات بتروكيماوية إضافية، من بينها وحدة تكسير الإيثيلين بطاقة 1.65 مليون طن متري سنوياً، ووحدة لإنتاج الباراكسيلين بطاقة مليوني طن متري سنوياً، ما يجعله مشروعاً متكاملاً يتجاوز مجرد التكرير التقليدي إلى سلاسل قيمة أوسع في الصناعات الكيماوية.

مصفاة داليان تخرج من جدول التشغيل غير المحدد

المشروع الثاني يتمثل في إعادة تشغيل وحدة تكرير خام في مصفاة داليان التابعة لشركة بتروتشاينا بطاقة 200 ألف برميل يومياً. ووفقاً لمصادر مطلعة، تم تأجيل إعادة التشغيل إلى أجل غير مسمى، بعد أن كانت الشركة تعوّل على عودتها إلى العمل في منتصف العام تقريباً.

وكانت الخطة السابقة تقوم على الاستفادة من هوامش ربح أفضل عند معالجة الخام الروسي المخفّض السعر، لكن هذه الفرضية ضعفت لاحقاً مع تبدل ظروف السوق واشتداد المنافسة على الإمدادات. ومع ارتفاع المخاطر اللوجستية وتغير خريطة الأسعار، أصبحت جدوى إعادة التشغيل أقل وضوحاً بالنسبة للشركات التي تعتمد على فروق الأسعار لتوليد أرباح التكرير.

ويمثل هذا التأجيل مؤشراً إضافياً على أن قرارات التشغيل في قطاع النفط لم تعد مرتبطة فقط بقدرات المصافي الفنية، بل أيضاً بحسابات الشراء والتسعير وتوافر الخام على المستوى العالمي.

تراجع هوامش التكرير يغيّر سلوك الشركات

تواجه شركات التكرير الصينية في المرحلة الحالية ضغوطاً واضحة على هامش الربح. فارتفاع سعر الخام العالمي يرفع كلفة التشغيل، بينما لا تسمح القيود الحكومية على أسعار الوقود بتمرير كامل هذه الكلفة إلى السوق المحلية. وفي الوقت نفسه، يواصل الطلب على الوقود التباطؤ نتيجة توسع استخدام السيارات الكهربائية وتراجع الاستهلاك التقليدي في بعض القطاعات.

هذا المزيج جعل بيئة التكرير أقل جاذبية من السابق، ويدفع بعض الشركات إلى تأجيل التشغيل أو خفض معدلات التشغيل بدلاً من الإصرار على الإنتاج الكامل. كما أن تقلبات الإمداد من الشرق الأوسط تضيف طبقة إضافية من المخاطر، لأن أي انقطاع أو اضطراب في المضائق الحيوية ينعكس مباشرة على سلاسل الشراء والشحن والتسعير.

وتُظهر البيانات الحكومية أن معدل معالجة النفط في المصافي الصينية هبط إلى نحو 13.3 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2022. ويمثل هذا المعدل قرابة 69 في المائة من الطاقة التشغيلية المقدرة للقطاع، ما يعني أن المصافي تعمل بعيداً عن طاقتها القصوى في ظل بيئة أقل ربحية.

آسيا تستحوذ على معظم الإضافات الجديدة في طاقة التكرير

رغم هذه التحديات، ما زالت آسيا تقود جانباً كبيراً من التوسع العالمي في طاقة التكرير خلال العام الحالي. ففي الهند، يُتوقع أن تضيف شركتا هندوستان بتروليوم وإنديان أويل كورب، وهما مملوكتان للدولة، نحو 526 ألف برميل يومياً إلى الطاقة التكريرية.

غير أن هذه الإضافات ليست كلها خالية من التأخير. فقد تأخر مشروع بارمر التابع لهندوستان بتروليوم عدة أشهر بعد حادث حريق، بينما قالت الشركة إنها تتوقع تشغيله عند 60 في المائة من طاقته خلال الفترة المقبلة. وفي المقابل، تخطط إنديان أويل كورب لاستكمال توسعات في عدة مصافٍ خلال أشهر متفرقة من العام.

ويعكس هذا المشهد الإقليمي اتجاهاً أوسع في سوق الطاقة العالمية، حيث تتقدم خطط التوسع لكن التنفيذ يبقى عرضة للتأخير بسبب الكلفة، والسلامة التشغيلية، وتقلبات الإمداد، وأسعار الخام. وبالنسبة للصين، فإن استمرار تلك العوامل يعني أن قطاع التكرير قد يظل متحفظاً في رفع الإنتاج إلى حين وضوح الرؤية في أسواق النفط العالمية.

في المحصلة، لا يبدو أن تأجيل المشروعين الصينيين حدث تقني عابر، بل مؤشر على مرحلة أكثر تعقيداً تمر بها صناعة التكرير. فالقرارات الاستثمارية والتشغيلية باتت أكثر ارتباطاً بمسار الحرب واضطرابات الشحن وتقلبات الطلب، وهو ما قد ينعكس على خطط التوسع في أكبر سوق مستوردة للنفط الخام في العالم.