الأعمال والاقتصاد الرقمي 12-Jun-2026 5 دقائق قراءة

تأجيل توسعات التكرير في الصين يضغط على الطلب مع اضطراب إمدادات الشرق الأوسط

أجّلت شركات تكرير صينية تشغيل مشروعين كبيرين بعد اضطراب إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، في وقت تتراجع فيه هوامش الربح وتضعف شهية الطلب على الوقود داخل أكبر سوق استيراد للخام في العالم.

تأجيلات جديدة في قطاع التكرير

أعادت اضطرابات الإمداد النفطي في الشرق الأوسط ترتيب خطط التوسع لدى بعض أكبر شركات التكرير في الصين، بعدما قررت جهات تشغيلية تأجيل بدء عمل مشروعين كان يفترض أن يدخلا الخدمة خلال العام الجاري. ويأتي هذا التباطؤ في وقت يتعرض فيه القطاع العالمي لضغوط مزدوجة: ارتفاع أسعار الخام من جهة، وتراجع الطلب على الوقود من جهة أخرى، إلى جانب المنافسة المتزايدة على الإمدادات المتاحة.

وتؤثر هذه التأجيلات على طاقة تكريرية إجمالية تبلغ نحو 500 ألف برميل يومياً، ما يجعلها ذات أثر مباشر في السوق الصينية، التي تعد أكبر مستورد للنفط الخام في العالم. كما أنها تعكس الحذر المتزايد لدى الشركات في مواجهة بيئة تشغيلية لا تمنح كثيراً من اليقين، خاصة مع استمرار التوترات المرتبطة بممرات الشحن الحيوية وأسعار الطاقة الدولية.

هابكو تؤجل التشغيل إلى الربع الثالث

أحد أبرز المشاريع المتأثرة هو مشروع «هواجين أرامكو للبتروكيماويات» المعروف باسم «هابكو»، وهو مشروع مشترك بين «أرامكو السعودية» و«نورينكو» الصينية و«بانجين شينتشنغ» الصناعية. ووفق المعلومات المتاحة، تم تأجيل تشغيل المصفاة التي تبلغ طاقتها 300 ألف برميل يومياً في مدينة بانجين شمال شرقي الصين من مايو أو يونيو إلى سبتمبر أو أكتوبر المقبلين.

ويعكس هذا التأجيل درجة عدم اليقين التي تحيط بتدفق المواد الخام، إذ تشير تقديرات سوقية إلى أن اضطراب الإمدادات المرتبط بالممرات البحرية في الشرق الأوسط دفع الشركات إلى مراجعة جداولها التشغيلية. كما أن المشروع لا يقتصر على التكرير فقط، بل يتضمن وحدات بتروكيماوية كبيرة، بينها وحدة تكسير إيثيلين بطاقة 1.65 مليون طن سنوياً، ووحدة لإنتاج الباراكسيلين بطاقة مليوني طن سنوياً.

وكان من المتوقع أن توفر «أرامكو» جزءاً كبيراً من الخام للمشروع، بما يصل إلى 210 آلاف برميل يومياً وفق ترتيبات سابقة، ما يبرز حساسية هذا النوع من المشاريع تجاه مسارات الإمداد العابرة للحدود.

تعليق غير محدد لمصفاة داليان

المشروع الثاني الذي واجه تأجيلاً هو وحدة تكرير الخام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان، بطاقة 200 ألف برميل يومياً. ووفق مصادر مطلعة، تم تأجيل إعادة تشغيلها إلى أجل غير مسمى، بعدما كانت الخطط السابقة تشير إلى عودتها للعمل في منتصف العام تقريباً.

وكانت الشركة تعول على هوامش ربح أفضل نتيجة استيراد الخام الروسي المخفض السعر، إلا أن هذه الميزة تراجعت مع اضطراب الأسواق العالمية واشتداد المنافسة على النفط المتاح. ومع تقلص الفجوة السعرية، باتت الحسابات الاقتصادية للمشروع أقل جاذبية، ما دفع الشركة إلى التريث بدلاً من الالتزام بجدول تشغيل غير مضمون العائد.

هذا النمط من القرارات لا يقتصر على الصين وحدها، بل يعكس اتجاهاً أوسع في الصناعة النفطية العالمية، حيث باتت الشركات أكثر ميلاً إلى تأجيل التشغيل أو خفض الوتيرة عندما تتقلص الهوامش أو تتضاعف مخاطر الإمداد.

هوامش الربح تحت الضغط

تواجه شركات التكرير في الصين ضغوطاً متزايدة على الربحية، مع ارتفاع أسعار الخام وفرض قيود تنظيمية على أسعار الوقود المحلي. وفي الوقت نفسه، أدى التحول المتسارع نحو السيارات الكهربائية إلى إضعاف نمو الطلب على المشتقات النفطية، لا سيما في الأسواق الحضرية الكبرى.

وتشير البيانات المتداولة إلى أن معدل تشغيل المصافي الصينية هبط في أبريل إلى نحو 13.3 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2022. وبالمقارنة مع الطاقة الإنتاجية الإجمالية المقدرة بنحو 19.2 مليون برميل يومياً، فإن هذا يعني أن نسبة التشغيل تدور عند نحو 69 في المائة فقط، وهي قراءة تعكس تواضع الطلب الصناعي واختلالات معادلة الربح.

كما أن ارتفاع كلفة الخام وتقلبات الشحن يدفعان الشركات إلى إعادة النظر في توقيتات الصيانة والتوسعة، لأن الدخول في تشغيل إضافي لا يضمن بالضرورة عائداً مجزياً إذا كانت الأسواق النهائية غير قادرة على امتصاص المزيد من الوقود.

آسيا تظل مركز التوسع لكن بوتيرة أبطأ

رغم التباطؤ الحالي، ما زالت آسيا تستحوذ على الحصة الأكبر من الطاقة التكريرية الجديدة المخطط تشغيلها خلال العام، ما يعكس استمرار الجاذبية الهيكلية للمنطقة في الصناعات النفطية والبتروكيماوية. غير أن الزخم لم يعد بنفس الوتيرة التي كانت متوقعة قبل اضطراب الإمدادات، إذ تتعامل الشركات الآن مع مزيج معقد من المخاطر اللوجستية وتقلبات الأسعار.

في الهند، ما تزال خطط التوسعة قائمة، مع توقع إضافة 526 ألف برميل يومياً من الطاقة التكريرية عبر شركتي «هندوستان بتروليوم» و«إنديان أويل كورب» المملوكتين للدولة. لكن حتى هناك، لم تخلُ المشاريع من تأخير؛ إذ تأخر تشغيل مشروع «بارمر» بضعة أشهر بعد حريق، مع توقع أن يبدأ العمل بطاقة تشغيلية أولية تبلغ 60 في المائة من قدرته.

أما «إنديان أويل كورب»، فسبق أن أعلنت أن توسعات في مصافي باراوني وغوجارات وبانيبات ستُنجز على مراحل خلال الأشهر الأخيرة من العام، ما يعكس اتجاهاً إقليمياً عاماً: التوسع مستمر، لكنه بات أكثر تحفظاً وأبطأ من السابق.

تداعيات أوسع على تجارة الخام

القرارات الصينية الأخيرة لا تقتصر آثارها على التكرير المحلي فقط، بل تمتد إلى تجارة النفط الخام العالمية، إذ إن أي تأجيل في بدء تشغيل طاقات جديدة يعني تقليصاً مؤقتاً في الواردات المستقبلية. وهذا قد يخفف جزءاً من الطلب الصيني على الشحنات الفورية، في وقت تتنافس فيه الأسواق العالمية على الخام بعد تعطل بعض مسارات الإمداد التقليدية.

كما أن اضطراب مضيق هرمز، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، يفرض تكلفة إضافية على المستوردين والمشغلين، سواء عبر ارتفاع أقساط التأمين أو زيادة نفقات التخزين أو الحاجة إلى تعديل العقود طويلة الأجل. ومع استمرار هذه الضغوط، تصبح مرونة سلسلة الإمداد عاملاً حاسماً في قرارات الاستثمار.

وفي المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن التكرير لم يعد نشاطاً تقنياً يعتمد على الفارق بين سعر الخام وسعر المنتجات النهائية فحسب، بل أصبح صناعة شديدة الحساسية للجغرافيا السياسية واللوجستيات والطلب النهائي. وبينما تواصل الشركات في آسيا بناء قدراتها على المدى الطويل، فإن الإيقاع الحالي يوحي بأن أي توسع جديد سيخضع لمراجعة أدق وأكثر حذراً من السابق.