الأعمال والاقتصاد الرقمي 09-Jun-2026 6 دقائق قراءة

ارتفاع حاد في تكاليف الشحن البحري من آسيا إلى أميركا مع اضطراب مضيق هرمز

قفزت أسعار الشحن الفوري للحاويات من آسيا إلى الولايات المتحدة وأوروبا مع تراجع الطاقة الاستيعابية وتحوّل مسارات الإمداد بسبب إغلاق مضيق هرمز، فيما زادت رسوم الوقود من الضغط على المستوردين.

سجلت أسعار الشحن البحري للحاويات قفزة لافتة خلال الأيام الأخيرة، في إشارة جديدة إلى اتساع أثر الاضطرابات الجيوسياسية على سلاسل الإمداد العالمية وتكاليف التجارة الدولية، خصوصاً بين آسيا والأسواق الغربية.

وبحسب بيانات منصة زينيتا، ارتفع السعر الفوري لنقل حاوية بطول 40 قدماً من آسيا إلى شمال أوروبا إلى 3649 دولاراً، أي بزيادة 27% مقارنة بالأسبوع السابق. كما صعدت تكلفة الشحن إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة بنسبة 20% لتصل إلى 3933 دولاراً.

وتشير بيانات درويري إلى أن الأسعار الفورية قصيرة الأجل وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ نحو عام، وهو ما يعكس تسارعاً في اختناقات النقل البحري وارتفاعاً في الطلب على المساحات المتاحة على متن السفن، بالتوازي مع محدودية الطاقة التشغيلية لدى شركات الشحن.

كما أظهرت بيانات زينيتا أن رسوم الشحن من آسيا إلى الولايات المتحدة ارتفعت 109% منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير، في حين زادت رسوم الشحن إلى أوروبا بأكثر من 50%. وإلى جانب ذلك، بدأت شركات النقل بفرض رسوم إضافية على الوقود، ما ضاعف العبء على الشركات المستوردة في وقت تتعرض فيه أسواق الطاقة نفسها لضغوط واضحة.

إعادة توجيه الشحنات تضغط على الموانئ الآسيوية

تزامن صعود التكاليف مع تراجع في الطاقة الاستيعابية قبل موسم إعادة تكوين المخزونات في شهري يوليو وأغسطس، وهو موسم عادة ما يشهد زيادة في الطلب على النقل البحري مع استعداد الشركات لتلبية احتياجات الربع الثاني من العام وما بعده.

وأدى تغيير مسارات الشحن نتيجة إغلاق مضيق هرمز إلى تراكم الضغوط في مراكز الشحن بجنوب شرق آسيا، ولا سيما في سنغافورة وميناء كلانغ الماليزي. ونتج عن ذلك اختناقات لوجستية رفعت زمن الانتظار وكلف التشغيل، ودفع بعض الناقلين إلى إعادة تسعير خدماتهم بوتيرة أسرع من المعتاد.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن تأثيره لم يبقَ محصوراً في المسارات المرتبطة مباشرة بالشرق الأوسط، بل امتد إلى خطوط شحن بعيدة نسبياً، ما يؤكد أن اضطراباً واحداً في نقطة عبور استراتيجية يمكن أن يترك أثراً واسعاً في منظومة التجارة العالمية بأكملها.

تأثير مباشر على سلاسل الإمداد والتكاليف النهائية

قال بيتر ساند، كبير المحللين لدى زينيتا، إن اضطراب الموانئ يضر سلاسل الإمداد العالمية، موضحاً أن الضغوط الحالية رفعت أسعار الشحن حتى في المسارات غير المرتبطة مباشرة بالشرق الأوسط. وأشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يضيف موجة جديدة من الارتفاعات خلال النصف الثاني من العام.

هذا الربط بين أسعار الطاقة والشحن البحري ليس جديداً، لكنه يبدو أكثر وضوحاً في المرحلة الحالية، لأن الناقلات تواجه كلفة وقود أعلى، بينما يطالبها العملاء في الوقت نفسه بالحفاظ على انتظام التسليم. وفي مثل هذه الظروف، غالباً ما تنتقل الزيادة في التكلفة من شركات النقل إلى المستوردين ثم إلى أسعار السلع النهائية في الأسواق.

وبالنسبة إلى الشركات الصناعية والتجارية، تعني هذه التطورات ضغطاً مزدوجاً: كلفة نقل أعلى من جهة، واحتمال تأخر وصول المواد الخام والسلع الوسيطة من جهة أخرى. وهذا قد يؤثر في جداول الإنتاج، ويزيد الحاجة إلى بناء مخزونات احتياطية، وهو ما يرفع بدوره تكاليف التشغيل والتمويل.

مكاسب لأسهم الشحن ومؤشرات على تشدد السوق

في المقابل، استفادت بعض شركات النقل البحري من موجة الارتفاعات الأخيرة. فقد صعدت أسهم إيه.بي. مولر ميرسك بنحو 13% خلال الأسبوع، في انعكاس لتوقعات المستثمرين بأن قوة التسعير قد تدعم هوامش الأرباح في الأجل القصير.

لكن هذه المكاسب في أسهم القطاع لا تعني بالضرورة استقرار السوق، إذ إن ارتفاع الأسعار الحالي يرتبط أساساً بتشدد العرض والطلب وبتحولات المسارات لا بتحسن هيكلي في القطاع. كما أن استمرار هذا الاتجاه قد يحمل آثاراً سلبية على أحجام التجارة إذا لجأت الشركات إلى تقليص الشحنات أو إعادة ترتيب عقودها اللوجستية.

وفي الولايات المتحدة، سجلت تكاليف النقل أسرع وتيرة ارتفاع خلال عشر سنوات، بحسب مؤشر مديري الخدمات اللوجستية لشهر مايو، وهو ما يعزز صورة السوق بوصفه سوقاً أكثر توتراً وأقل مرونة في مواجهة الصدمات الخارجية.

احتمالات استمرار الصعود خلال النصف الثاني من العام

تشير المعطيات الحالية إلى أن أسواق الشحن ما زالت عرضة لمزيد من التذبذب، خاصة إذا استمرت حالة عدم اليقين المرتبطة بإمدادات الطاقة ومسارات الملاحة. ومع بقاء جزء من السعة التشغيلية خارج الخدمة الفعلية أو متأثراً بزيادة زمن الرحلات، قد تظل الأسعار الفورية عند مستويات مرتفعة نسبياً.

كما أن موسم إعادة تكوين المخزونات قد يضيف مزيداً من الضغط على الشركات والموانئ، خصوصاً إذا تزامن مع استمرار الاختناقات في سنغافورة وموانئ المنطقة. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على التنبؤ بالتكاليف أصعب بالنسبة إلى المستوردين والمصدرين على حد سواء.

وبينما تراقب الأسواق تطورات أسعار النفط ومسارات الشحن، يبدو أن الأثر الاقتصادي المباشر لإغلاق مضيق هرمز يتجاوز الجغرافيا القريبة منه، ليصل إلى قلب سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الشركات العالمية في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.