16-Jul-2026 5 دقائق قراءة

سبايس إكس تستعد لأكبر طرح عام في التاريخ وسط طلب قوي وتقييم يتجاوز 1.7 تريليون دولار

تتجه الأنظار إلى وول ستريت مع استعداد سبايس إكس لإدراج تاريخي قد يجمع عشرات المليارات من الدولارات ويعزز مكانتها بين أكبر الشركات المدرجة في العالم، رغم مخاوف من تضخم التقييم والخسائر المرتبطة بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

تستعد شركة سبايس إكس لخطوة مالية غير مسبوقة قد تضعها في صدارة أبرز الإدراجات في تاريخ أسواق المال، مع ترقب بدء تداول أسهمها وسط اهتمام واسع من المستثمرين الأفراد والمؤسسات. ويأتي هذا الطرح في وقت تحاول فيه الشركة تحويل توسعها التجاري والتقني إلى قيمة سوقية ضخمة، رغم وجود أسئلة واضحة حول قدرة أرباحها الحالية على تبرير هذا التقييم.

ومن المقرر أن تجري الشركة مراسم الإدراج في محيط بورصة ناسداك في تايمز سكوير، في حدث رمزي يعكس انتقال سبايس إكس من شركة خاصة تهيمن على قطاع الإطلاقات الفضائية إلى اسم مرشح ليكون من الأثقل وزناً في أسواق الأسهم الأميركية.

جمع سيولة قد يصل إلى 86 مليار دولار

أعلنت سبايس إكس أنها تستهدف جمع 75 مليار دولار من الطرح العام الأولي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام زيادة حجم الصفقة إذا استمر الإقبال القوي، ما قد يرفع إجمالي الحصيلة إلى 86 مليار دولار. ويعكس هذا الرقم حجم الثقة التي تراهن عليها الشركة في جذب رأس مال جديد يدعم خططها التوسعية في الفضاء والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية المرتبطة بهما.

وبحسب التقديرات المتداولة، تبلغ القيمة السوقية الحالية للشركة نحو 1.765 تريليون دولار، وهو مستوى يضعها ضمن أكبر عشر شركات مدرجة عالمياً. وتمنح هذه الأرقام الطرح بعداً استثنائياً، لأن السوق لا يتعامل مع شركة فضائية تقليدية، بل مع مجموعة تكنولوجية تسعى إلى بناء منصات أعمال متداخلة تمتد من الإطلاقات المدارية إلى الاتصال الفضائي والحوسبة المستقبلية.

ويرى مختصون في الاكتتابات أن الطلب المؤسسي يبدو أعلى بكثير من المعروض، وهو ما قد يدفع السهم إلى أداء قوي في أولى جلسات التداول. كما يُتوقع أن يتأخر بدء التداول الرسمي نسبياً خلال الجلسة الصباحية، لإتاحة المجال أمام البنوك المشاركة لتوزيع الأسهم على المكتتبين.

رهان المستثمرين على قصة نمو تتجاوز الفضاء

تجتذب سبايس إكس المستثمرين ليس فقط بسبب نشاطها في صناعة الصواريخ، بل أيضاً بسبب صورة أوسع ترسمها لنفسها باعتبارها جزءاً من بنية الاقتصاد الرقمي المقبل. فالشركة ترتبط اليوم بخدمات الإنترنت الفضائي عبر ستارلينك، وبمشاريع الذكاء الاصطناعي، وبالحديث عن شرائح إلكترونية ومراكز بيانات قد تعمل في بيئات فضائية مستقبلاً.

هذا التصور يجعل الشركة مختلفة عن معظم شركات الفضاء التقليدية التي تعتمد على عقود حكومية محدودة أو على إطلاقات تجارية متفرقة. وفي حالة سبايس إكس، فإن النموذج التشغيلي قائم على كثافة الإطلاقات، وإعادة استخدام الصواريخ، وبناء شبكة خدمات مترابطة يمكن أن تتحول إلى مصادر إيرادات متعددة.

وتؤكد الأرقام التشغيلية هذا التحول. فالشركة انتقلت من إطلاق واحد فقط في عام 2006 إلى أكثر من عمليتي إطلاق أسبوعياً حالياً، ما رسخ مكانتها كشريك رئيسي لوكالة ناسا ووزارة الدفاع الأميركية، ورفع قدرتها على احتكار جزء كبير من الطلب العالمي على خدمات الإطلاق.

ستارلينك تقود الإيرادات رغم اتساع الخسائر

على مستوى النتائج المالية، سجلت سبايس إكس نمواً في الإيرادات بنسبة 33 في المائة خلال العام الماضي لتصل إلى 18.67 مليار دولار. وجاءت ستارلينك في قلب هذا النمو، إذ وفرت نحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مدعومة بقاعدة مستخدمين تجاوزت 10.3 ملايين وبشبكة تضم أكثر من 9600 قمر اصطناعي.

لكن الصورة ليست وردية بالكامل. فقد أدى اندماج الشركة مع «إكس إيه آي» الخاسرة إلى تكبد صافي خسارة بلغ 4.94 مليار دولار في عام 2025. وهذا التباين بين نمو الإيرادات واتساع الخسائر يفسر جانباً من الجدل الدائر حول التقييم الحالي، خاصة أن جزءاً كبيراً من الرهان السوقي يقوم على توقعات مستقبلية أكثر من اعتماده على أرباح قائمة بالفعل.

ويقول محللون إن السوق يتعامل مع سبايس إكس كما لو كانت شركة منصة عالمية لا كمجرد شركة تصنيع وإطلاق، الأمر الذي يضع تقييمها في منطقة استثنائية. غير أن هذا المنطق لا يخفف المخاوف المرتبطة بالإنفاق الرأسمالي الضخم، خاصة في مشروعات الذكاء الاصطناعي وما يرافقها من احتياجات تمويلية كبيرة.

ستارشيب في قلب السردية المستقبلية

يُعد برنامج ستارشيب أحد أهم العناصر التي تدعم رواية النمو لدى سبايس إكس. فالمركبة العملاقة مصممة لحمل أكثر من 100 طن متري إلى المدار الأرضي، ما يمنح الشركة قدرة غير مسبوقة على تنفيذ مهام نقل البشر والبضائع على نطاق واسع. كما يُنظر إليها على أنها منصة محتملة لإنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في الفضاء، وهو مجال لا يزال في بداياته لكنه يستقطب اهتماماً متزايداً من المستثمرين التقنيين.

وشهدت الرحلة التجريبية الأخيرة لستارشيب تقدماً ملحوظاً بعد نجاحها في نشر نماذج من الأقمار الاصطناعية وتنفيذ هبوط متحكم به في المحيط الهندي، رغم استمرار تحديات فنية لا تزال ترافق البرنامج. ورغم ذلك، فإن مجرد استمرار التطوير يمنح المستثمرين مادة إضافية لتسعير المستقبل بدلاً من الاكتفاء بالحاضر.

كما أن الشركة لا تخفي طموحات تتجاوز المدار القريب، إذ تطرح رؤى مرتبطة بالهبوط على القمر وإمكانية الوصول إلى المريخ. ورغم أن هذه المشاريع بعيدة زمنياً، فإنها تعزز الصورة التي تريد سبايس إكس ترسيخها: شركة تصنع البنية الأساسية للمرحلة المقبلة من اقتصاد الفضاء.

انتقادات سياسية وتشكيك في عدالة التقييم

في المقابل، لا يحظى الإدراج بإجماع كامل. فقد دعت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية إلى تعليق العملية مؤقتاً وإجراء مراجعة إضافية للتأكد من عدم تضليل المستثمرين. وتستند هذه الدعوات إلى مخاوف تتعلق بحجم التقييم وطبيعة المخاطر المرتبطة بعمليات الاستحواذ والدمج داخل المجموعة.

كما أثار احتمال وصول ثروة إيلون ماسك إلى مستوى التريليون دولار جدلاً سياسياً وأخلاقياً أوسع. وقالت منظمة أوكسفام في الولايات المتحدة إن هذا النوع من التراكمات المالية لا ينسجم، من وجهة نظرها، مع تصورها لاقتصاد أكثر عدالة. وفي المقابل، يرى أنصار الشركة أن السوق يكافئ الابتكار والقدرة على تنفيذ مشاريع لا يقترب منها معظم المنافسين.

ويشير بعض المحللين إلى أن التقييم الحالي لا يمكن فهمه من خلال ميزانية الشركة فقط، بل من خلال ما يتوقعه المستثمرون من توسعها خلال العقد المقبل. فكلما زادت القناعة بأن سبايس إكس ستقود قطاعات جديدة في الفضاء والاتصال والذكاء الاصطناعي، زادت الشهية لتحمل المخاطر المرتبطة بها.

اختبار حقيقي لسوق التكنولوجيا والفضاء

يمثل إدراج سبايس إكس اختباراً أوسع لمدى استعداد السوق الأميركية لاحتضان شركات التكنولوجيا العميقة ذات النماذج المعقدة والآفاق الطويلة الأجل. فهذه الشركات لا تُقاس فقط بالعائد الحالي، بل أيضاً بقدرتها على احتكار بنية تحتية استراتيجية أو إعادة تشكيل قطاعات كاملة.

وفي هذا السياق، قد يصبح أداء السهم في الأيام الأولى مؤشراً مهماً على اتجاهات الاستثمار في قطاع الفضاء التجاري، وكذلك على قدرة الأسواق على الاستمرار في تمويل قصص نمو ضخمة رغم تقلبات الإيرادات والخسائر المرتفعة. وإذا جاء الاستقبال إيجابياً، فسيعزز ذلك مكانة سبايس إكس كإحدى أبرز الشركات المؤثرة في تقاطع الأعمال والاقتصاد الرقمي.

أما إذا جاءت التوقعات أقل من الزخم الحالي، فقد يفتح ذلك باباً لنقاش أوسع حول حدود التقييمات المرتفعة في عصر الشركات التي تبني مستقبلها على مزيج من الفضاء والذكاء الاصطناعي والاتصال العالمي.