تراجع في العقود الآجلة بعد موجة صعود قوية
بدأت تعاملات الجمعة على إيقاع أكثر حذراً في الأسواق الأميركية، بعدما انخفضت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك 100»، لتتوقف مؤقتاً موجة الارتفاع التي دعمتها أسهم التكنولوجيا والرقائق خلال الأيام السابقة. وجاءت هذه الحركة في وقت يوازن فيه المستثمرون بين عدة عوامل متداخلة، من بينها التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، واحتمالات تقلب أسعار الطاقة، وعودة التركيز إلى تقييمات شركات التكنولوجيا.
ورغم التراجع المبكر، فإن المزاج العام في السوق لا يزال مدعوماً بتوقعات قوية بشأن أرباح الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وبصورة خاصة شركات الرقائق والبرمجيات ومراكز البيانات. لكن ارتفاع الأسعار في بعض هذه الأسهم دفع عدداً من المتعاملين إلى جني أرباح سريعة، ما زاد من حدة التذبذب مع بداية الجلسة.
وبحلول الساعات الأولى من التداول قبل الافتتاح، سجلت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» ارتفاعاً طفيفاً، بينما تراجعت العقود الآجلة لـ«ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك 100»، في إشارة إلى أن السوق ما زالت تبحث عن اتجاه أكثر وضوحاً بعد مكاسب متتالية.
ترقب إدراج «إس كيه هاينكس» يسلط الضوء على الرقائق
أعاد قرب إدراج شركة «إس كيه هاينكس» في بورصة ناسداك تسليط الضوء على قطاع أشباه الموصلات، ولا سيما سوق رقائق الذاكرة التي استفادت بقوة من موجة الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي. وحددت الشركة الكورية الجنوبية سعر إيصالات الإيداع الأميركية عند 149 دولاراً للإيصال، ما يتيح لها جمع نحو 26.5 مليار دولار من هذا الطرح.
وبهذه القيمة، يقترب الإدراج من أن يصبح واحداً من أكبر الطروحات في الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يعكس استمرار شهية المستثمرين تجاه الأصول المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. كما يمنح الصفقة دلالة إضافية على عودة شركات الرقائق الآسيوية إلى واجهة الاهتمام العالمي، بعدما تحولت هذه الصناعة إلى أحد الأعمدة الأساسية في سباق التكنولوجيا بين الاقتصادات الكبرى.
وفي المقابل، يرى محللون أن توقيت الإدراج قد لا يكون مثالياً بالكامل، بعد أن شهدت أسهم موردي رقائق الذاكرة تصحيحاً في الأسابيع الماضية عقب موجة صعود حادة. ومع ذلك، فإن حجم الطلب على الطرح الأميركي يشير إلى أن المستثمرين ما زالوا يعتقدون بأن دورة الاستثمار في الرقائق لم تنتهِ، بل ربما تمر بمرحلة تهدئة مؤقتة.
ضغط على أسهم أشباه الموصلات وجني أرباح في السوق
امتدت الضغوط إلى أسهم شركات أشباه الموصلات في التداولات السابقة لافتتاح السوق، حيث تعرضت أسهم مصنعي رقائق الذاكرة لتراجع ملحوظ. وانخفض سهم «مايكرون تكنولوجي» بعد مكاسب قوية في الجلسة السابقة، كما هبطت أسهم «ويسترن ديجيتال» و«سيغيت تكنولوجي»، في انعكاس واضح لحالة التذبذب داخل القطاع.
هذه التحركات تأتي بعد فترة استفادت فيها شركات الرقائق من توقعات توسع الإنفاق على مراكز البيانات، ومن الاندفاع العالمي نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. غير أن الصعود السريع للأسعار جعل القطاع عرضة لعمليات إعادة تقييم، خصوصاً مع ازدياد المخاوف من أن تكون بعض الأسهم قد سبقت أساسياتها التشغيلية بدرجة كبيرة.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن المستثمرين باتوا أكثر انتقائية، إذ لم يعد يكفي مجرد الانتماء إلى قطاع الذكاء الاصطناعي لضمان استمرار الزخم. بل أصبح التركيز ينصب على جودة الأرباح، وقدرة الشركات على تحويل الطلب المرتبط بالتقنيات الحديثة إلى نمو فعلي ومستدام في الإيرادات.
الشرق الأوسط يعيد عامل المخاطر إلى الواجهة
إلى جانب ملفات التكنولوجيا والرقائق، عادت المخاوف الجيوسياسية لتؤثر في المزاج الاستثماري، بعد تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة. هذا التطور أعاد طرح سؤال مهم في الأسواق: إلى أي مدى قد تنتقل التوترات السياسية إلى أسعار الطاقة والتضخم العالمي؟
ورغم أن بعض مسؤولي السياسة النقدية يرون أن أي ارتفاع في أسعار النفط قد لا يكون دائماً، فإن الأسواق تظل حساسة جداً لأي إشارات على اضطراب الإمدادات أو اتساع نطاق الصراع. فأسعار الطاقة تمثل أحد أهم المحركات غير المباشرة لمعادلة التضخم، وأي زيادة فيها قد تؤثر في توقعات الفائدة، وتحديداً في بيئة الأسواق التي ما تزال تراقب مسار البنوك المركزية بدقة.
كما أن هذا النوع من المخاطر ينعكس سريعاً على القطاعات الدورية، وخصوصاً النقل والاستهلاك والصناعة، بينما يحتفظ قطاع التكنولوجيا عادةً بقدر من المقاومة، وإن كان ذلك لا يمنعه من التعرض لتقلبات حادة عندما يرتفع مستوى الحذر العام.
الاستثمار في التكنولوجيا يواصل جذب التدفقات
على الرغم من التذبذب قصير الأجل، فإن بيانات تدفقات الصناديق الاستثمارية تكشف أن شهية المستثمرين تجاه التكنولوجيا ما زالت قوية. فقد استقطبت صناديق الأسهم العالمية تدفقات ضخمة خلال الأسبوع المنتهي في 8 يوليو، مدفوعة بمنتجات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وبانحسار جزئي في توقعات التشديد النقدي.
وفي الولايات المتحدة، تدفقت أموال إضافية إلى الصناديق المرتبطة بأسهم التكنولوجيا، وهو ما يعكس قناعة واسعة بأن أرباح شركات القطاع قد تواصل النمو بوتيرة تفوق بقية السوق. وتشير تقديرات المستندة إلى توقعات المحللين إلى أن قطاع التكنولوجيا مرشح لتحقيق نمو قوي في صافي الأرباح خلال الربع الثاني، بدعم من أداء الشركات الكبرى والمتوسطة.
هذا التوجه يوضح أن المستثمرين لا ينظرون إلى التكنولوجيا باعتبارها قصة نمو مؤقتة، بل كاتجاه استثماري طويل الأمد مرتبط بإعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي، من الحوسبة السحابية إلى الذكاء الاصطناعي والرقائق المتقدمة.
السندات وأسواق النقد تعكس قدراً من التحوط
بالتوازي مع الإقبال على الأسهم التكنولوجية، شهدت أسواق السندات تدفقات قوية تعكس رغبة لدى جزء من المستثمرين في الاحتفاظ بقدر أكبر من الحماية. فقد جذبت صناديق السندات العالمية مبالغ كبيرة، فيما واصلت صناديق أسواق النقد استقطاب تدفقات إضافية، في إشارة إلى أن إدارة المخاطر لا تزال أولوية لدى كثير من المحافظ الاستثمارية.
هذا التوازن بين الرهان على النمو واللجوء إلى أدوات التحوط يوضح طبيعة المرحلة الحالية في الأسواق. فالمستثمرون لا يبتعدون عن الأصول الخطرة بالكامل، لكنهم يوزعون مراكزهم بحذر أكبر، مستفيدين من أي فرصة في التكنولوجيا والرقائق، وفي الوقت نفسه محافظين على جزء من السيولة تحسباً لتغير سريع في المزاج العام.
قراءة في المشهد القادم للأسواق
تبدو الأسواق الأميركية اليوم أمام معادلة مركبة: زخم قوي في أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق من جهة، ومخاطر جيوسياسية وتقييمات مرتفعة من جهة أخرى. وبين هذين العاملين، يتحدد اتجاه التداولات اليومية ومدى استعداد المستثمرين لمواصلة الشراء أو الانتقال إلى وضعية الدفاع.
ومع اقتراب موسم نتائج الأعمال، سيصبح الأداء الفعلي للشركات هو العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل الاتجاه. فإذا جاءت الأرباح أعلى من التوقعات، فقد تجد أسهم التكنولوجيا دعماً جديداً، أما إذا خيبت النتائج الآمال، فقد تتسع موجة التصحيح في القطاعات التي قادت السوق خلال الأشهر الماضية. في كل الأحوال، يبقى إدراج «إس كيه هاينكس» مؤشراً مهماً على استمرار مركزية الرقائق في الاقتصاد الرقمي العالمي، وعلى أن السوق لم تفقد بعد اهتمامها بفرص النمو المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.